ما ابقى مايتقال في مسرحية “باقي ما يتقال”التي تم عرضها امس بمسرح الحي البرتغالي
ما وصلني من أصداء حول هذه المسرحية جعلني أفك جميع ارتباطاتي والتزاماتي حتى أكون حاضرا خلال العرض الافتتاحي أو ما سموه بالعرض ما قبل الأول لمسرحية “باقي ما يتقال ” بمسرح الحي بالحي البرتغالي. لكن سرعان ما انقلب هذا الشوق إلى ملل وضجر جعل من الصعب أن اصمد إلى نهاية العرض .
المسرحية هي من تأليف وإخراج السيد محمد الترك اللبناني الأصل وحسب ما وصلني من أصداء عنه كان دافعا قويا مقنعا بان أشاهد هذا العرض والدافع الثاني كانت مشاركة فنانين من العيار الثقيل على الصعيد المحلي والوطني كمحمد رباني وسعيد خجو وعبد الصادق اعبادة لكن عندما يصطدم الصدى بالصوت الخشن تتمخض الجبال فتلد فأرا .
كانت هذه خلاصة أحاسيسي وشعوري وحكمي الأول قبل تحليل مكوناتها وإخضاعها الى النقد الأكاديمي ودراسة أطوار المسرحية وعرضها على خشبة المسرح بعيدا عن كل خلفيات قد يؤولها البعض بعيد عن المقومات الفنية
قد تكون فكرة المسرحية جيدة وتشخيصها من طرف فنانين من العيار الثقيل أضاف لها رونقا وجمالا ومشهدا تتلألأ فيه الألوان من ديكور وملابس واكسيسوارات لكن الإخراج الذي يعتبر الوجه الحقيقي أو المرسول إلى عشاق المسرح قد سقط في النمطية وتغليب الكوميديا البهلوانية المبالغ فيها التي قد تضحك الأطفال ولا تعجب الكبار فخلق الازدواجية المرة التي قد تحدث تصادم بين رؤية العاقل ورؤية الطفل ما نتج عنه اضطراب بين القبول والنفور .
فالمسرح التجريبي يرتكز في أسسه على تلازم الإخراج والسينوغرافيا وكيفية تطورهما معا بمفهوم موحد .لان التجريب لم يقم على استقلال واستغراب العرض وان ما التجريب بدا مع احتياج الجمهور إلى الخروج من إطار المسرح الواقعي الممل لكن مسرحية “باقي ما يتقال” خرجت من الباب ورجعت من النافدة لتكرس الملل والضجر في النفوس بمشاهد لم ترقى إلى الاحترافية المعهودة في هذا المجال فكان التحاور مع الجمهور مصبوغ بالتصنع الغير موضوعي إلا في حالات استثنائية استعمل فيها الفنان محمد رباني تدخلات حسية مباشرة مع الجمهور أضفت روتوشا مميزا فرض نوعا من الجلبة .
إن التموضع للعنصر النسوي فوق الركع يحتاج إلى تركيز أكثر وان يظهر بمظهر الاعتباطية ليبرز أن الممثلة لها احترافية تمنحها القدرة على خلق إخراج ثاني يكون منسجما لحركاتها وتحركاتها لتكون منسجمة مع حواراتها وهذا ما لمسناه لدى إحدى الممثلات التي تخرج من شخصيتها وتظهر ملامح الانتظار في دورها لتنغمس من جديدة في الشخصية التي رسمها لها المخرج بعكس الفنان محمد رباني وسعيد خجو اللذان أبانا عن احترافيتهما و تقمصا أدوارهما بشكل يبرز أننا أمام عرضين مسرحين فوق ركع واحدما يبرز غياب ادارة الممثل في هذا العمل الذي استعمل الإضاءة المباشرة وكان الأحرى الاستعانة بمقومات المسرح التجريبي لدى برشيد الذي يعتبر الرائد في هذا المجال .
إن التباعد الفكري لدى اللبناني والفكر المغربي كان له اثر سلبي في تقريب الثقافة المسرحية فكان التصادم بين محاولة دخول الفكر المغربي والانصهار مع الفكر اللبناني والعكس صحيح جعل من المسرحية تظهر في ركن من أركانها باللونين الأسود والأبيض فيما بدا الركن الأخر بألوان ساطعة وتجلى ذلك في المفارقة بين أداء العنصر النسوي والرجالي .
لقد حاول المخرج أن يؤسس فكرته على تجاوز ما هو مطروح من الأشكال المختلفة للمسرحية من حيث الشكل أو الرؤية لكي يقدم لنا عملا متقدما عن ما هو موجود بالفعل بأسلوب تجريبي منفتح لكن إقحام ممثلات هاويات ليست لهم من الخبرة الكافية لخوض مثل هذه التجربة واعتماد الطابع الميكانيكي في تنفيذ المشاهد وهيمنة الحوار المردود عليه بالصيغة الصديقية المنبثقة عن الحلقة أسقطه في النمط الطليعي الذي اعتبره البعض انحطاط وحالة من الخمود .
عادة ما تكون نظرية التلقي عند عشاق المسرح مبنية على مستويين مستوى النص ومستوى المشاهدة ويتعاملون مع النص باعتباره نصين نصا رئيسا للحوار ونصا فرعيا وذلك أتناء عملية بناء العالم الخيالي ليكون تلقيه سهلا اجتماعيا مع اعتماد المتلقي تفسير على استبيانات معدة سلفا أما نظرية التلقي عند المغاربة تختلف في بوصلتها في كثير من الأحيان حسب المستوى الفكري للمتلقي وهذا ما صعب من مهمة المخرج اللبناني في التعامل مع المتلقي المغربي وحاول الانصهار في قبعة المغاربة لكن الفوارق كانت بارزة وقد يكون ” باقي ما يتقال” في عروض أخرى تعيد النظر في هذه الثغرات وإيجاد حلول للمعادلة الصعبة الكامنة في الجمع بين مستوى فني راق ومحتوى واقعي يعالج مشاكل المجتمع المغربي .
