الجديدة بين فوضى احتلال الملك العمومي وتقاعس السلطات: حين تتحول الحملات إلى مسرحيات موسمية
لم يعد احتلال الملك العمومي بمدينة الجديدة مجرد ظاهرة عابرة أو سلوك محدود يمكن التغاضي عنه، بل تحول إلى معضلة يومية تؤرق الساكنة وتختزل حجم الفوضى والتسيب الذي بات يطبع تدبير الشأن المحلي. فقد أصبحت الأرصفة والطرقات والساحات العمومية في عدد من أحياء المدينة مستباحة بشكل غير مسبوق في مشهد يعكس غياب الصرامة في تطبيق القانون وعجز السلطات عن وضع حد نهائي لهذه الآفة التي تنخر جمالية المدينة وتضرب في العمق حق المواطنين في التنقل والعيش داخل فضاء حضري منظم وآمن.
ورغم الحملات المتكررة التي تباشرها السلطات بين الفينة والأخرى لتحرير الملك العمومي، فإنها لم تعد تقنع الرأي العام المحلي، بعدما تحولت في نظر كثير من المواطنين إلى مجرد *مسرحيات موسمية* لا تلبث أن تنتهي حتى يعود الوضع إلى ما كان عليه وكأن شيئا لم يقع. فهذه الحملات أصبحت تشبه إشارات المرور تارة حمراء تمنع وتارة خضراء تسمح وتارة أخرى تنبه المحتلين مسبقا عبر تسريبات أو تواطؤ.
الساكنة اليوم لم تعد تطالب بحملات استعراضية ظرفية هدفها ذر الرماد في العيون أو صناعة صور إعلامية للاستهلاك المؤقت، بل أصبحت تنادي بتطبيق صارم ودائم للقانون، بعيدا عن الانتقائية والكيل بمكيالين. إذ لا يعقل أن يطبق القانون على فئة معينة، بينما يتم التغاضي عن فئات أخرى لأسباب مجهولة أو لمصالح ضيقة في ضرب واضح لمبدأ المساواة أمام القانون وتكريس لشعور عام بالحيف وفقدان الثقة في المؤسسات المكلفة بحماية النظام العام.
لقد انعكست ظاهرة احتلال الملك العمومي بشكل سلبي على صورة مدينة الجديدة، التي عرفت خلال السنوات الأخيرة تراجعا واضحا على مختلف المستويات البنيوية والاجتماعية والثقافية وفقدت الكثير من بريقها وجاذبيتها. فالزائر للمدينة يلاحظ بسهولة حجم الفوضى التي أصبحت تخنق شوارعها وأرصفتها في وقت تتسابق فيه المدن إلى تحسين فضاءاتها الحضرية وتعزيز جاذبيتها السياحية والتنموية.
إن تحرير الملك العمومي لا يجب أن يكون مجرد حملة ظرفية مرتبطة بمناسبات معينة أو تعليمات عابرة بل ينبغي أن يتحول إلى سياسة دائمة تقوم على الحزم والاستمرارية والعدالة في تطبيق القانون، مع فرض غرامات رادعة وحجز سلع المخالفين دون تمييز أو انتقائية، لأن هيبة الدولة لا يمكن أن تستقيم في ظل الفوضى ولا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية بمدينة تحتل فيها الأرصفة والطرقات أمام أعين الجميع دون رادع.
لقد سئمت ساكنة الجديدة من الوعود والشعارات والحملات المؤقتة وأصبحت تطالب بإرادة حقيقية تعيد للمدينة نظامها وجماليتها وحق المواطنين في فضاء عمومي محترم، لأن استمرار الوضع الحالي لا يعني سوى تكريس العبث وتعميق فقدان الثقة وإعلان فشل واضح في تدبير واحدة من أبسط القضايا المرتبطة بالحياة اليومية للمواطن.




