الجديدة بين مطرقة القانون وسندان النفوذ: من يحمي الملك العمومي ومن يحتله؟

20260219_175155 copy

في الجديدة المدينة التي كانت إلى عهد قريب مضرب المثل في الجمال والنظام يطفو اليوم سؤال ثقيل على السطح: إلى متى ستستمر الانتقائية في تحرير الملك العمومي؟ سؤال لم يعد يطرح همسا في المجالس الخاصة بل صار يتردد علنا في الشوارع والساحات حيث تتجلى مفارقات صارخة في تطبيق القانون وتتعاظم مشاعر الغبن لدى فئات واسعة من المواطنين.
مشهد يومي يتكرر بلا تغيير: بائع بسيط يفترش الرصيف ليبيع جوارب أو بطاقات هاتف يطارد ويعامل أحيانا كما لو كان خطرا داهما على النظام العام، في حين تحتل بعض المحلات التجارية والمقاهي والسناكات مساحات شاسعة من الملك العمومي دون حسيب أو رقيب. كراسي وطاولات تتمدد على الأرصفة واجهات تتوسع خارج حدودها القانونية، وممرات للراجلين تتحول إلى فضاءات خاصة بينما يظل القانون حبرا على ورق حين يتعلق الأمر بأصحاب النفوذ أو المصالح.
الأمر لا يقف عند حدود التفاوت في التطبيق بل يتعداه إلى ما يشبه اقتصادا غير مهيكل داخل الملك العمومي نفسه. في ساحة الحنصالي يتحدث المواطنون عن أشخاص لا صفة لهم ولا تمثيل رسمي يبيعون أماكن للبائعين المتجولين بعلم جهات معنية ودون أي تدخل حازم يضع حدا لهذه الممارسات. بل إن بعضهم يتجول رفقة أعوان سلطة في مشاهد توحي بالتزكية أو الحماية غير المعلنة في رسالة سلبية تضرب في العمق مفهوم دولة القانون وتكافؤ الفرص.
وتزداد الصورة قتامة حين تتحول بعض المحلات إلى “مكتر ثان” للملك العمومي فتؤجر المساحات أمامها لباعة “الفراشة” مقابل مبالغ مالية، وتؤازرهم عند أي تدخل محتمل. هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: من يحمي من؟ ومن يطبق القانون على من؟ وهل تحولت بعض مساحات المدينة إلى مناطق نفوذ خارج أي مراقبة فعلية؟
هذا الوضع المختل لا يمكن فصله عن مظاهر أخرى تزيد من احتقان الساكنة: حاويات أزبال ممتلئة، نفايات منتشرة في الأزقة، أوراش متعثرة تطول دون تفسير واضح ومشاهد عمرانية تفتقر إلى الحد الأدنى من الانسجام والجمالية. مدينة عُرفت بتاريخها العريق ومؤهلاتها السياحية تبدو اليوم في نظر كثيرين كأنها تتراجع سنوات إلى الوراء، فاقدة جزءا من هيبتها ورونقها.
الانتقائية في تطبيق القانون لا تخلق فقط شعورا بالظلم، بل تفتح الباب أمام الفوضى وتضعف الثقة في المؤسسات. حين يحارب الضعيف ويُغض الطرف عن القوي، تتآكل صورة العدالة في الوعي الجماعي ويتحول احترام القانون من واجب إلى خيار مرتبط بميزان القوة لا بميزان الحق. وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي مدينة تطمح إلى التنمية والاستقرار.
إن إعادة الاعتبار لمدينة الجديدة لا تمر عبر حملات موسمية أو قرارات ظرفية بل عبر إرادة واضحة لتطبيق القانون على الجميع دون استثناء وتنظيم عادل يراعي البعد الاجتماعي للفئات الهشة دون أن يتحول إلى ذريعة للفوضى ومحاسبة فعلية لكل من يستغل الملك العمومي خارج الإطار القانوني أيا كانت صفته أو نفوذه.
اليوم لم يعد مطلب تحرير الملك العمومي مطلبا فئويا أو شعارا عابرا بل صار ضرورة ملحة لإعادة النظام وصون كرامة المواطن واسترجاع الصورة التي تستحقها مدينة بتاريخ وقيمة الجديدة. فالمدينة ليست مجرد بنايات وشوارع، بل هي شعور جماعي بالانتماء والثقة ولا يمكن لهذا الشعور أن يستمر في ظل ازدواجية المعايير وتغاضي المسؤولين عن اختلالات باتت تهدد توازن الفضاء العام برمته.