الجديدة تحتاج معارضة مسؤولة… لا مزايدات حول مسرح عفيفي
في الوقت الذي تعيش فيه مدينة الجديدة مجموعة من المشاكل الحقيقية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، اختارت بعض مكونات المعارضة داخل المجلس الجماعي أن تجعل من موضوع مسرح محمد سعيد عفيفي محور نقاشها، في مشهد يوحي وكأن مشاكل المدينة اختزلت في بناية ثقافية، بينما هناك ملفات أكثر استعجالا وأشد ارتباطا بمصالح المواطنين.
لسنا ضد النقاش حول مسرح عفيفي، ولا ضد مساءلة الجهات المسؤولة عن طريقة تدبيره أو عن مداخيله أو عن طبيعة الأنشطة التي يحتضنها. بل إن فتح هذا النقاش من حيث المبدأ أمر صحي ومطلوب، لأن المال العام والمرافق العمومية يجب أن تكون دائما موضوع مراقبة ومساءلة.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل أصبح مسرح عفيفي هو المشكلة الأولى والأكبر التي تؤرق سكان الجديدة؟ هل انتهت أزمة الازبال؟ هل انتهت مشاكل النقل الحضري؟ هل لم تعد هناك مشاكل في الطرقات والصيانة؟ هل تم تجاوز أزمة الموارد البشرية داخل الجماعة؟ وهل أصبحت مصالح المواطنين تقضى في ظروف طبيعية، خصوصا ما يتعلق بخدمات ادارية بسيطة لكنها أساسية، وعلى رأسها تصحيح الامضاءات، التي عرفت في بعض المرافق تعثرا فعليا، بل وانعداما للخدمة في مرافق اخرى؟
هذه هي الملفات التي كان المواطن ينتظر من المعارضة أن تضعها في مقدمة اولوياتها، وأن تمارس بشأنها رقابة سياسية حقيقية، بدل الدخول في سجالات قد لا تقدم شيئا للمواطن الذي ينتظر حلا لمشاكله اليومية.
ومسرح عفيفي ليس وليد اليوم. هذه المعلمة الثقافية جزء من الذاكرة الفنية لمدينة الجديدة، وقد عاشت لسنوات طويلة وضعا من التهميش واللامبالاة، خصوصا عندما كان تدبيرها يتم من طرف الجماعة. وكان المسرح في مراحل سابقة موضوعا للحملات الانتخابية والصراعات السياسية، كما كان مجالا للكثير من الجدل مع الجمعيات والفاعلين الثقافيين.
لكن الوضع تغير عندما انتقل تدبير المسرح إلى قطاع الثقافة، حيث استفاد من عملية اعادة تأهيل مهمة، خصصت لها اعتمادات مالية كبيرة، وشملت اصلاح وتجهيز عدد من مرافقه وتقنياته، حتى يصبح قادرا على استقبال التظاهرات الفنية في ظروف اكثر احترافية.
وهنا ينبغي أن نكون منصفين. فمسرح عفيفي اليوم ليس هو المسرح الذي كان عليه قبل سنوات. هناك طاقم اداري وتقني يسهر على تدبيره، وهناك حراسة ونظافة وصيانة وتجهيزات تقنية، وكل ذلك له تكلفة مالية حقيقية.
والأهم من ذلك أن الحديث عن استفادة الجمعيات من المسرح يجب أن يكون دقيقا. فغالبية الجمعيات الثقافية والفنية يمكنها الاستفادة من المسرح بشكل مجاني لتنظيم انشطتها، ولا تؤدى عنها واجبات الاستغلال، باستثناء الحالات التي تستعمل فيها الجمعية شباك التذاكر وتحقق مداخيل من بيع التذاكر. وفي هذه الحالة فقط يتم احتساب واجب الاستغلال.
ومن هنا، فإن الحديث عن مبلغ 4000 درهم لليوم الواحد وكأنه يمثل مداخيل ضخمة للمسرح، يحتاج الى وضعه في سياقه الحقيقي. فهذا المبلغ، حتى في حالة استخلاصه، لا يعني أن المسرح يحقق ارباحا صافية.
فالمسرح يحتاج الى رجال امن خاص، وموظفين واداريين وتقنيين، ومنظفات، وصيانة، وكهرباء، وماء، وتجهيزات صوت واضاءة، فضلا عن تكاليف اصلاح الاضرار التي يمكن أن تحدثها بعض التظاهرات. وبالتالي فإن مقارنة مبلغ الاستغلال بالمصاريف الحقيقية لتدبير مؤسسة من هذا النوع تكشف أن الحديث عن مؤسسة ثقافية هدفها تحقيق الربح حديث بعيد عن طبيعة هذه المرافق.
المسرح مؤسسة ثقافية، وليس مشروعا تجاريا.
ومن يريد أن يناقش مداخيله، فليضع الى جانبها مجموع مصاريفه. وليطرح السؤال الحقيقي: كم تدخل خزينة المسرح؟ وكم يكلف تسييره؟ وكم تنفق الوزارة على حراسته وصيانته وموارده البشرية وتجهيزاته؟ وهل تكفي المداخيل فعلا لتغطية هذه المصاريف؟
عندها فقط يمكن الحديث عن الحكامة والشفافية بشكل جدي.
أما الحديث عن احداث مجلس اداري للمسرح، فيحتاج بدوره الى نقاش قانوني ومؤسساتي واضح، وليس مجرد شعار سياسي. فالمجلس الاداري تكون له دلالة عندما يتعلق الامر بمؤسسة لها ميزانية مستقلة وتمويلات متعددة الاطراف، بحيث يكون لكل طرف ممول الحق في تتبع مآل الاموال التي يساهم بها.
اما في حالة مسرح عفيفي، الذي يخضع لتدبير قطاع الثقافة، فيجب أولا تحديد الاطار القانوني والمالي الذي سيتم على اساسه احداث مثل هذا المجلس، وما هي اختصاصاته، ومن سيمثله، وكيف سيتم تمويل المؤسسة وتدبير مواردها.
ثم إن الثقافة والفن لا يحتاجان الى مجالس شكلية، بل يحتاجان الى اشخاص لهم وزن حقيقي في المشهد الثقافي والفني بمدينة الجديدة، يعرفون تاريخها الثقافي ويعيشون مشاكل الفنانين والجمعيات والفرق المسرحية والموسيقية.
ولا ينبغي أن يتحول مسرح عفيفي مرة اخرى الى ورقة انتخابية أو وسيلة للضغط والابتزاز السياسي.
لقد عانى هذا المسرح بما يكفي من سنوات التهميش والارتجالية، واليوم، وبعد أن استفاد من استثمار مهم لاعادة تأهيله، وبعد أن أصبح تحت اشراف قطاع الثقافة، فإن المطلوب هو الحفاظ على هذه المعلمة وتطوير تجربتها، وليس جرها الى صراعات سياسية قد تعيدها الى الوراء.
نحن في حاجة الى مسرح مفتوح امام الفنانين والجمعيات، وفي حاجة الى قواعد واضحة وشفافة للاستفادة منه، وفي حاجة الى برمجة ثقافية حقيقية تخدم ساكنة الجديدة وتمنح الفنانين المحليين فرصا للابداع والتعبير.
لكن في المقابل، هناك مشاكل اكثر الحاحا تنتظر من يرفع صوته من اجلها.
المواطن لا يستيقظ صباحا وهو يفكر في المجلس الاداري لمسرح عفيفي. المواطن يفكر كيف يصل الى عمله في وسيلة نقل محترمة، وكيف يجد حيه نظيفا، وكيف يقضي غرضه الاداري دون أن يضطر الى العودة مرات متعددة بسبب غياب الموظفين أو نقص الموارد البشرية.
والغريب أن عددا من النقط التي عرضت على المجلس الجماعي، والتي ترتبط بملفات الازبال والنقل واصلاح الطرق وغيرها من الملفات التي تهم المواطن مباشرة، لم تعرف نفس مستوى المعارضة والجدل. بل إن بعض مكونات المعارضة صوتت لصالح بعض هذه القرارات.
وهنا يطرح المواطن سؤالا مشروعا: لماذا لا تكون نفس الصرامة ونفس الحدة في مراقبة هذه الملفات التي تمس حياته اليومية بشكل مباشر؟
المعارضة الحقيقية ليست أن تقول لا لكل شيء، وليست أن ترفع الصوت في كل مناسبة، وليست أن تبحث عن معركة سياسية في كل ملف.
المعارضة الحقيقية هي أن تراقب عندما تكون هناك اختلالات، وتقترح البدائل، وتدافع عن مصالح المواطنين، وتصوت لصالح ما يخدم المدينة، وتعارض ما تراه مضرا بمصالحها.
أما تحويل مسرح عفيفي الى معركة سياسية، فلن يحل مشكلة الازبال، ولن يحل أزمة النقل، ولن يوفر موظفين اضافيين للجماعة، ولن يعالج مشاكل تصحيح الامضاءات، ولن يصلح الطرقات.
مسرح عفيفي معلمة ثقافية مهمة، ويجب الحفاظ عليها، لكن لا يجب أن نجعل منها القضية الاولى في مدينة تعيش مجموعة من المشاكل التي تؤرق المواطنين كل يوم.
من يريد محاسبة المسؤولين عن المسرح، فليطالب بالارقام والوثائق والمعطيات الدقيقة، وليطرح الاسئلة حول المداخيل والمصاريف وطريقة الاستغلال وشروط الاستفادة، وليقارن بين الموارد والنفقات.
اما المزايدات السياسية، وابراز العضلات، والدخول في صراعات لا تخدم المواطن، فلن يؤدي الا الى اعادة هذه المعلمة الى سنوات الظلام والارتجالية التي نريد جميعا تجاوزها.
الجديدة تحتاج الى معارضة قوية، نعم، لكنها تحتاج قبل كل شيء الى معارضة مسؤولة، تضع مصلحة المواطن فوق الحسابات السياسية.
اتركوا الثقافة لاهل الثقافة، والسياسة لخدمة المواطن، واجعلوا معارككم الحقيقية في الملفات التي تؤرق سكان الجديدة كل يوم.
