المهرجانات بين الاختصاص القانوني واولويات التنمية المحلية
كلما اقترب فصل الصيف، تتسابق العديد من الجماعات الترابية إلى الإعلان عن تنظيم مهرجانات واحتفالات فنية وثقافية، تخصص لها اعتمادات مالية مهمة، في الوقت الذي تعيش فيه مدن كثيرة واقعا تنمويا صعبا يتمثل في تدهور البنية التحتية، وانتشار البطالة، وضعف الاستثمار، وغياب مشاريع قادرة على تحسين ظروف عيش المواطنين.
من الناحية القانونية، يسمح القانون التنظيمي للجماعات للجماعة الترابية بالمساهمة في الانشطة الثقافية والفنية والرياضية باعتبارها جزءا من اختصاصاتها في مجال التنمية المحلية والتنشيط الثقافي، غير ان هذا الاختصاص لا ينبغي ان يتحول إلى اولوية تتقدم على الحاجيات الاساسية للساكنة، ولا ان يكون على حساب المشاريع التنموية والخدمات العمومية التي ينتظرها المواطن.
فالمواطن الذي يعاني من طرق مهترئة، وانارة عمومية ضعيفة، ونقص في المساحات الخضراء، وغياب فرص الشغل، من حقه ان يتساءل: هل الاولى هو صرف ملايين الدراهم على حفلات لا تتجاوز اياما معدودة، ام توجيه هذه الاموال نحو اصلاح الاحياء، ودعم الاستثمار، وتشجيع المقاولات الصغرى، وخلق فرص عمل للشباب؟
ان نجاح اي مجلس جماعي لا يقاس بعدد المهرجانات التي ينظمها، ولا بعدد الفنانين الذين يستقدمهم، بل يقاس بحجم المشاريع التي ينجزها، وبمستوى الخدمات التي يقدمها للمواطن، وبقدرته على تحسين جودة الحياة داخل المدينة.
ومن جهة اخرى، اذا كان لا بد من تنظيم مهرجانات ثقافية وفنية، فمن الافضل ان يتم ذلك وفق مقاربة تشاركية تعتمد على جمعيات محلية متخصصة تمتلك الخبرة والكفاءة في مجال التنظيم الثقافي، مع اخضاعها لدفتر تحملات واضح، واتفاقيات تحدد الاهداف والميزانية وطرق صرف الاعتمادات، مع التزامها بتقديم تقارير مالية وادبية مفصلة تمكن اجهزة المراقبة والرأي العام من تتبع كيفية صرف المال العمومي.
كما ان تمويل هذه التظاهرات يمكن ان يكون مشتركا بين الجماعة والقطاع الخاص والمؤسسات الاقتصادية العاملة داخل المجال الترابي، بما يخفف العبء عن ميزانية الجماعة، ويحول المهرجان إلى مشروع تشاركي يساهم فيه الجميع، بدل الاعتماد شبه الكلي على المال العمومي.
ولا ينبغي ان تتحول المهرجانات إلى مناسبة للدعاية السياسية او لتلميع صورة المنتخبين، لأن المال العمومي وجد لخدمة الصالح العام وليس لتحقيق مكاسب انتخابية او شخصية. كما ان اشراك المنتخبين بشكل مباشر في الجوانب التنفيذية للتنظيم يثير تساؤلات حول الحكامة وتدبير الموارد، لذلك يظل من الافضل الفصل بين دور المجلس في وضع السياسات وتتبع تنفيذها، ودور الجهات المنظمة في التنفيذ وفق القوانين والمساطر المعمول بها.
ومن الضروري ايضا تقييم الاثر الحقيقي لكل مهرجان بعد انتهائه. فكم عدد السياح الذين استقطبهم؟ وما حجم الرواج الاقتصادي الذي حققه؟ وهل استفاد منه التجار والحرفيون والفنادق والمطاعم؟ وهل خلق فرص شغل مؤقتة او دائمة؟ ام انتهى بانتهاء الحفل دون ان يترك اثرا اقتصاديا او اجتماعيا يبرر حجم النفقات؟
ان المدن التي حققت نجاحا حقيقيا لم تبنه على المهرجانات وحدها، بل على الاستثمار في البنية التحتية، وتشجيع الاقتصاد المحلي، وجلب المستثمرين، وتحسين الخدمات، وربط الثقافة بالتنمية. فالثقافة عنصر مهم في التنمية، لكنها لا يمكن ان تكون بديلا عن التنمية نفسها.
ويبقى من حق المواطن ان يطالب بالشفافية الكاملة في تدبير المال العام، وان يعرف حجم الاعتمادات المخصصة للمهرجانات، ومصادر تمويلها، وكيفية صرفها، والنتائج التي حققتها، لأن ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس مجرد شعار، بل هو ركيزة اساسية في بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
فحين تصبح التنمية اولوية، وتكون المهرجانات وسيلة للتعريف بالمدينة وجلب الاستثمار والسياحة، فإنها تكتسب مشروعيتها وقيمتها. اما عندما تتحول إلى هدف في حد ذاته، في مدينة تعاني من اختلالات تنموية كبيرة، فإن النقاش حول ترتيب الاولويات يصبح مشروعا، بل وضروريا، خدمة للمصلحة العامة وحفاظا على حسن تدبير المال العمومي.
