بين جمر الفرن ونور الريشة: الفنان لحصيري سعيد… موهبة تقاوم النسيان في أزمور

588773175_10240561857492310_4290805701973986296_n

في قلب مدينة أزمور العتيقة، داخل فرن تقليدي تغمره رائحة الخبز وروائح الزمن، يعمل الفنان لحصيري سعيد، صامتا ومهمشا، لكنه في العمق يشتعل إبداعا.

هذا الفضاء المتواضع الذي لا يليق بأن يكون معرضا فنيا، يتحول بين يدي هذا الفنان إلى محراب بصري تتولد فيه لوحات غريبة مبهرة ومحملة بطاقة روحية وجمالية لافتة. ورغم أن لوحاته تستحق أن تعرض في فضاءات كبرى إلا أن الفنان لا يزال يعيش تحت رماد النسيان، محاصرا بلامبالاة من جهة وبمحاولات الإقصاء من جهة أخرى ممن نصبوا أنفسهم أوصياء على الفن التشكيلي في أزمور دون أن يقدموا شيئا حقيقيا يثري هذا المشهد.

تجربة لحصيري سعيد تكشف عن حس تعبيري رمزي مميز يعتمد على تكوينات بشرية مموهة، أشبه بظلال تمشي في عوالم بين الواقع والميتافيزيقا. تظهر الكائنات بلا ملامح وكأنها خرجت من ضباب الذاكرة أو من حافة الحلم فتتحول إلى رموز مفتوحة على التأويل. هذه الشخوص لا تسكن اللوحة بقدر ما تعبرها. فهي دائما في حالة انتقال في رحلة داخل فضاءات مشحونة بالصمت والرهبة.

الفضاء التشكيلي في أعماله يقوم على انسيابات عمودية لونية توحي بانهيار الزمن أو سقوط الضوء. حركة اللون هنا ليست اعتباطية، بل مقصودة في إنتاج حالة نفسية كثيفة.

 يعتمد الفنان على أحادية اللون سواء في الدرجات الدخانية السوداء أو التدرجات الترابية المحمرة في أسلوب يقارب ما يعرف بـ)المونوكروم( الذي يمنح العمل بعدا تأمليا ويجعل اللون ذاته مركز التعبير. أما الملمس اللوني، فيكشف اشتغالا قائما على تقنيات الترسيب والكشط والمسح ودفع اللون، ما يخلق تأثيرات تجمع بين الحس الحركي والتجريد التعبيري، وتقترب من تقنية الـImpasto التي تمنح السطح قوة وعمقا.

تتكرر في أعماله رمزية الأقواس والبوابات وهي ليست عناصر زخرفية بل إشارات لعتبة، لعبور، أو لحالة انتظار. تبدو هذه الأقواس كأنها ممرات بين عالمين أو مجازات لبوابات داخلية يسعى الإنسان لتجاوزها. وجود الشخصيات أمام هذه الأقواس يمنح اللوحة طابعا دراميا وجوديا، وكأنها لحظة مواجهة بين الذات والمجهول. هذا التداخل بين المساحة الروحية والفضاء المادي يجعل أعماله تتجاوز البساطة الظاهرية نحو عمق دلالي غني.

وتقرأ هذه التكوينات البشرية كاستعارات عن الإنسان المهمش، عن أولئك الذين يعيشون خارج دائرة الضوء وربما أيضا عن الفنان نفسه الذي يعمل بعيدا عن اهتمام المؤسسات في فضاء لا يرتاده سوى من يبحث عن الخبز لا عن الفن. إنها لوحات تحيل إلى مجتمع بأكمله: أشخاص بلا صوت بلا ملامح، يعبرون بوابات مصير يجهلونه. وهذه الدرامية الرمزية تمنح أعماله هويتها الخاصة، وتضعه في سياق تجريب فطري لكنه شديد الحساسية.

يظهر واضحا أن أمامنا فنانا يتعامل مع اللون كحالة وجدانية ومع الشكل كطيف ومع الفضاء كأفق مفتوح للتأويل.

 ورغم غياب التكوين الأكاديمي أو دعم المؤسسات، فإن أعماله تمتلك وضوح البصمة وتميزا في الرؤية وصدقا في التعبير. وهذا ما يجعل تهميشه خسارة للفن المحلي ويجعل صمته صرخة مؤجلة تحتاج لمن يسمعها.

إن تجربة لحصيري سعيد مثال صارخ على الطاقات التي تدفن في المدن الصغيرة بسبب هيمنة بعض المتطفلين الذين صادروا الفضاء الثقافي وحولوه إلى دائرة مغلقة. ومع ذلك، تبقى لوحات الفنان شاهدة على جمال يولد من الرماد، وعلى عبقرية تختبئ خلف جدران فرن تقليدي، تنتظر فقط من يزيح الغبار عنها ليظهر ما تستحقه من تقدير وانتشار.

إن تجربة لحصيري سعيد مثال صارخ على الطاقات التي تدفن في المدن الصغيرة بسبب هيمنة بعض المتطفلين الذين صادروا الفضاء الثقافي وحولوه إلى دائرة مغلقة. ومع ذلك، تبقى لوحات الفنان شاهدة على جمال يولد من الرماد، وعلى عبقرية تختبئ خلف جدران فرن تقليدي، تنتظر فقط من يزيح الغبار عنها ليظهر ما تستحقه من تقدير وانتشار.