بين منطق الوصاية ومنسوب السياسة: قراءة في تحركات عامل إقليم الجديدة وسياقها الانتخابي

615881173_2292911814530930_7345486218151902720_n

أثار خروج عامل إقليم الجديدة إلى الميدان لمعاينة تعثر مشروع جبران خليل جبران نقاشا واسعا، ليس من حيث المبدأ، لأن المراقبة الميدانية وإعداد التقارير لوزارة الداخلية تدخل صميم اختصاص العامل، بل بسبب الشكل والرمزية التي رافقت هذا الخروج وعلى رأسها ارتداؤه) كاسكيط( تحمل شعار مجلس الجهة، في مشهد أوحى وكأن العامل جزء من الجهاز التنفيذي للجهة أو تابع لها وليس ممثلا للسلطة المركزية المفترض فيها الوقوف على مسافة واحدة من جميع الفاعلين.

فالعامل، بحكم موقعه الدستوري والقانوني، يمارس وصاية إدارية تهدف إلى ضمان احترام القانون وتتبع تنفيذ المشاريع ورفع التقارير إلى الإدارة المركزية، لا إلى الاندماج الرمزي أو السياسي في هوية مؤسسة منتخبة، خاصة في سياق حساس يتسم بقرب الاستحقاقات الانتخابية واحتدام الصراع المبكر حول النفوذ المحلي. وعندما تختلط الرموز، تختلط الرسائل، ويصبح من المشروع التساؤل حول ما إذا كان هذا السلوك مجرد خطأ بروتوكولي أم تعبيرا غير محسوب عن تموقع معين.

إن توجيه الملاحظات حول تعثر المشاريع يجب أن يتم بمنطق مؤسساتي شامل، يأخذ بعين الاعتبار أن مشروع جبران خليل جبران ليس مسؤولية مجلس الجهة وحده بل هو مشروع متعدد الممولين، تساهم فيه مؤسسات كبرى من بينها المجمع الشريف للفوسفاط وجماعة الجديدة إلى جانب شركاء آخرين. وبالتالي فإن اختزال التعثر في جهة واحدة، أو الظهور بمظهر القريب منها شكليا، يضعف منطق الحياد ويغذي التأويلات السياسية، خصوصا في ظل وجود مشاريع أخرى ممولة كليا من الجهة تعرف بدورها تأخرا ملحوظا دون أن تحظى بنفس مستوى المتابعة العلنية.

ويزداد هذا الجدل حدة إذا ما تم ربطه بالسياق العام الذي تعيشه الجهة، حيث بدأت ملامح الحملة الانتخابية في الظهور بشكل غير معلن وبرزت معالم صراع مبكر بين فاعلين سياسيين ومؤسساتيين في منطقة ذات ثقل جغرافي واقتصادي وسياسي. ففي مثل هذا الظرف، تصبح كل حركة محسوبة وكل صورة قابلة للتأويل، وكل تصريح عرضة للقراءة السياسية، سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة.

لقد تم تعيين عامل إقليم الجديدة وهو قادم من جهة بعيدة عن المنطقة، في خطوة فهمت على أنها تهدف إلى تحصين المنصب من أي شبهة انحياز محلي أو ارتباط انتخابي، خاصة بعد تأويل إعفاء مسؤول سابق انه ينتمي للمنطقة وله روابط عائلية بمرشحين محتملين. غير أن الحفاظ على هذا المنطق لا يمر فقط عبر السيرة الذاتية أو الجغرافيا، بل عبر الممارسة اليومية، والحرص على وضوح المسافة الفاصلة بين سلطة الدولة والمؤسسات المنتخبة.

إن أخطر ما يمكن أن يقع في هذه المرحلة هو الانتقال غير المعلن من منطق الوصاية إلى منطق الشراكة السياسية أو الاصطفاف الرمزي، لأن ذلك يربك التوازن الدقيق الذي يقوم عليه التدبير الترابي، ويفتح الباب أمام اتهامات بتوظيف المشاريع التنموية في صراعات انتخابية مبكرة. فالدولة مطالبة بأن تكون ضامنا للنزاهة والإنصاف، لا طرفا يفهم منه ولو بالصورة، أنه ينحاز أو يذوب في مؤسسة منتخبة.

في النهاية، لا أحد ينازع العامل في حقه وواجبه في المراقبة والتتبع ورفع التقارير إلى وزارة الداخلية، لكن المطلوب هو أن يتم ذلك بمنتهى الوضوح المؤسساتي، وبما يحفظ هيبة الدولة وحيادها ويجنب خلط الأدوار في مرحلة دقيقة، حيث أصبحت الرموز أبلغ من التصريحات، والصور أحيانا أقوى من القرارات.