تنحى وبكوا… من ماذا كانوا يودعون فعلا ومن المستفيد من دموع التنحي؟
اعتدت كلما كتبت سيناريو أو نصا مسرحيا يتطلب لحظة حزن، أن أستحضر المآسي الكبرى التي لا يختلف حول تأثيرها أحد: الموت، الاعتقال الظالم، فقدان الأم أو الأب أو شخص عزيز. هذه العناصر وحدها في تصوري قادرة على هز مشاعر الجمهور ودفعه إلى التفاعل والبكاء. لذلك بدا لي المشهد السياسي الأخير صادما ومربكا في آن واحد إذ لم أتخيل أن تنحي رئيس حزب عن رئاسة تنظيمه دون أن يغادر البلاد أو ينسحب من الحياة العامة أو يفقد نفوذه الاقتصادي أو حتى صلته بالحزب يمكن أن يجر وراءه كل هذا البكاء والنحيب من قيادات حزبية وازنة.
ما شد انتباهي ليس قرار التنحي في حد ذاته بل الطريقة التي جرى بها استقباله عاطفيا. دموع علنية، انفعالات قوية، ومشاهد بدت أقرب إلى وداع نهائي رغم أن الرجل المعني لم يختف عن المشهد ولم يعلن اعتزال السياسة. هنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: ما الذي بكى عليه هؤلاء فعلا؟ هل بكوا الشخص أم الموقع أم المرحلة أم ما قد يترتب عن هذا التنحي من تحولات داخل موازين القوة والنفوذ؟
من زاوية صحفية تحليلية يصعب قراءة هذه الدموع بوصفها تعبيرا بريئا عن الحزن فقط. في التجارب السياسية الحديثة، غالبا ما تتجاوز العلاقة بين الزعيم وأتباعه الإطار التنظيمي لتصبح علاقة رمزية قائمة على الشعور بالأمان والاستقرار. وحين يغادر هذا الزعيم الواجهة ولو شكليا يشعر المحيطون به بأن شبكة الحماية السياسية قد تضعف وبأن المستقبل لم يعد مضمونا كما كان. في هذه الحالة لا تكون الدموع دموع فراق، بل دموع خوف وقلق من المجهول.
في الوقت نفسه لا يمكن فصل السياسة عن منطق الصورة والتأثير. فالمشاهد العاطفية التي تنقل إلى الرأي العام ليست مجرد انعكاس لمشاعر داخلية بل رسائل متعددة الاتجاهات: رسالة ولاء داخل الحزب، ورسالة تماسك إلى الخارج، وربما محاولة لاستدرار تعاطف شعبي في لحظة حساسة. هنا يصبح البكاء جزءا من خطاب سياسي غير معلن، تستعمل فيه العاطفة كما تستعمل الكلمات والقرارات.
يزداد هذا التأويل قوة حين يبدو الانفعال أكبر من الحدث نفسه. فتنحي مسؤول حزبي مهما كانت مكانته يظل إجراء سياسيا يمكن تعويضه تنظيميا. وعندما يتحول إلى لحظة مأساوية، يحق للمتابع أن يشكك ويتساءل عما إذا كانت هناك فصول أخرى لم تكشف بعد. التاريخ السياسي محليا ودوليا مليء بتنحيات انتهت بعودات قوية أو بإعادة تموقع مدروس وكانت العاطفة دائما أداة لتهيئة القواعد والرأي العام لتقبل ما سيأتي لاحقا.
من هذا المنطلق لا أجد نفسي قادرا على الحسم في طبيعة تلك الدموع: هل هي صادقة أم مبالغ فيها أم موظفة ضمن سيناريو سياسي أوسع؟ ما أستطيع قوله بثقة هو أن المشهد تجاوز حدود الإجراء التنظيمي العادي ودخل مجال الفرجة السياسية بكل ما تحمله من رمزية وحسابات. وكما في كل مشهد سياسي مثير للجدل يبقى الزمن وحده الحكم. الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان ما شاهدناه مجرد انفعال عاطفي عابر أم خطوة مدروسة ضمن استراتيجية لها أهداف سياسية وانتخابية لم تتضح بعد. الأيام بيننا وستظهر ما خفي وتكشف حقيقة هذا البكاء الذي حير أكثر مما أقنع.
