جمعية اللمة للإبداع ومؤسسة عبد الواحد القادري تحتفيان بالشاعرة نعيمة مفيد في عرس ثقافي لتوقيع ديوان “ومضات حارقة”

71c71597-6b19-4442-bbcd-1e840049fb41 copy

في مشهد ثقافي يكرس مكانة الكلمة الراقية ويؤكد أن مدينة الجديدة ما تزال تنبض بالحياة الفكرية والإبداعية، نظمت جمعية اللمة للإبداع بالجديدة، بشراكة مع مؤسسة عبد الواحد القادري، مساء الأربعاء 15 يوليوز 2026 بالمركب الثقافي عبد الحق القادري، حفلا أدبيا متميزا لتوقيع ديوان “ومضات حارقة” للشاعرة نعيمة مفيد، وسط حضور نخبة من الشعراء والنقاد والفنانين والمثقفين ومحبي الأدب.

ولم يكن هذا اللقاء مجرد حفل لتوقيع إصدار جديد، بل تحول إلى احتفال حقيقي بالشعر، اجتمعت فيه الكلمة بالموسيقى، والنقد بالفن التشكيلي، في لوحة ثقافية عكست حيوية المشهد الأدبي بمدينة الجديدة، وأكدت أن الثقافة ما تزال قادرة على جمع المبدعين حول قيم الجمال والإبداع.

ويعد ديوان “ومضات حارقة” تجربة شعرية تنتمي إلى جنس الومضة الشعرية، وهو من أصعب الأشكال الأدبية وأكثرها خصوصية، لأنه يقوم على التكثيف اللغوي والإيجاز، ويعتمد على أقل عدد من الكلمات لإنتاج أكبر قدر من الدلالات. فالومضة ليست نصا قصيرا فحسب، بل هي رؤية شعرية مكثفة تحدث لدى القارئ دهشة تشبه وميض البرق، وتدعوه إلى إعادة قراءة النص مرات عديدة لاكتشاف ما يخفيه من رموز وإشارات.

وتعتبر الشاعرة نعيمة مفيد من الأصوات الشعرية النسائية التي استطاعت أن ترسخ حضورها داخل الساحة الثقافية المغربية، وأن تكون من الوجوه البارزة التي أثثت المقهى الشعري بمدينة الجديدة، كما شاركت في العديد من اللقاءات والأمسيات الشعرية داخل المغرب، محافظة على أسلوبها الخاص الذي يجمع بين البساطة وعمق المعنى.

وتتميز تجربتها الشعرية بلغة شفافة وصور موحية، وبنزعة إنسانية تتناول الإنسان في ضعفه وقوته، والمرأة في أحلامها وتحدياتها، والحياة في تناقضاتها، لذلك تأتي قصائدها هادئة في ظاهرها، لكنها تحمل في أعماقها أسئلة كبرى، وتمنح القارئ مساحة واسعة للتأمل والتأويل.

وفي ديوان “ومضات حارقة” استطاعت نعيمة مفيد أن تجعل من الكلمة عالما قائما بذاته، وأن تختزل المعنى في عبارات قليلة قد تتجاوز في أثرها صفحات طويلة، حيث تتحول المفردة إلى نبض، والجملة إلى فكرة، والصمت بين الكلمات إلى فضاء مفتوح للتفكير، وهو ما يجعل القارئ يعيش تجربة شعرية مختلفة، لا تعتمد على كثرة الكلام، وإنما على قوة الإيحاء وبلاغة الاختزال.

وشهد الحفل قراءات نقدية متميزة ساهمت في إغناء النقاش حول الديوان، حيث قدم الأستاذ محمد الهادف والناقد عبد العزيز حنان مداخلتين نقديتين تناولتا الخصائص الفنية والجمالية للديوان، وتوقفتا عند تجربة الشاعرة في كتابة الومضة الشعرية، باعتبارها فنا قائما على الدقة والتكثيف والإيحاء، يحتاج إلى شاعر يمتلك أدواته اللغوية وقدرته على اختزال الفكرة دون أن يفقدها عمقها أو جمالها. وقد أبرزت القراءتان أن نعيمة مفيد نجحت في بناء نصوص قصيرة تفتح أمام المتلقي آفاقا واسعة للتأويل، وتؤكد أن قصيدة الومضة ليست مجرد كلمات قليلة، وإنما بناء شعري متكامل.

وتولى الشاعر محمد كابي تقديم وتنشيط فقرات الحفل بأسلوب راق أضفى على الأمسية حيوية كبيرة، فيما أمتع الفنان جمال بودوبيل الحاضرين بوصلة موسيقية زادت من جمال اللقاء، وجعلت من الشعر والموسيقى ثنائيا يعكس انسجام الفنون في خدمة الثقافة.

كما شهدت الأمسية قراءات شعرية لعدد من المبدعين، كان من بينهم الشاعرة عتيقة بندغة وكريمة اكرام ونادية الزرقي وبديعة القديوي حيث أتحفتن الحاضرين بقصائد وكلمات  لامست الوجدان، وأضافت إلى فضاء الأمسية بعدا جماليا آخر، في تفاعل كبير من الجمهور الذي تابع مختلف الفقرات باهتمام وإنصات.

ومن بين اللحظات المؤثرة في هذا العرس الثقافي، المبادرة الراقية التي قامت بها الفنانة التشكيلية زهور المعناني التي تتميزباسلوبها الفني الذي راكمت من خلال تجربة غنية بتقنيات حديثة وتقليدية عبر مسار احترافي ، حيث أهدت لوحة فنية من إبداعها إلى الشاعرة نعيمة مفيد، في لفتة جسدت عمق العلاقة بين الشعر والفن التشكيلي، وأكدت أن الإبداع بمختلف تجلياته يظل لغة واحدة، قوامها الجمال والمحبة والاعتراف بالعطاء.

وقد نجحت جمعية اللمة للإبداع، بشراكة مع مؤسسة عبد الواحد القادري، في تنظيم هذا النشاط ثقافي حيث اتسم بالاحترافية وحسن التدبير، سواء من حيث التنظيم أو تنوع فقراته أو قيمة المشاركين فيه، وهو ما جعل الحفل يرقى إلى مستوى التظاهرات الثقافية الوازنة التي تسهم في تنشيط الحركة الأدبية بمدينة الجديدة، وتفتح فضاءات للحوار والتواصل بين المبدعين والجمهور.

إن مثل هذه المبادرات تؤكد أن الجديدة ما تزال مدينة ولادة للإبداع، وأن جمعياتها الثقافية الجادة قادرة على صناعة الفارق، عندما تجعل من الثقافة رسالة ومن الكلمة جسرا للتواصل. كما تؤكد أن تجربة الشاعرة نعيمة مفيد، بما تحمله من حس شعري رفيع ورؤية إنسانية عميقة، تشكل إضافة نوعية للشعر المغربي المعاصر، وأن ديوان “ومضات حارقة” ليس مجرد إصدار جديد، بل محطة أدبية تستحق القراءة والتأمل، ودليل على أن القصيدة الموجزة قد تكون أحيانا أبلغ من القصائد الطويلة، لأنها تترك في النفس أثرا لا يمحوه الزمن.