حين تتحول الصورة إلى سؤال وجودي في سينما إدريس اشويكة في فيلم طحالب مرة
قراءة نقدية في فيلم ينتمي إلى السينما التأملية المغربية
يدرج فيلم طحالب مرة للمخرج المغربي إدريس اشويكة ضمن التجارب السينمائية التي تراهن على الاشتغال الجمالي والفكري أكثر من رهانها على السرد الحكائي التقليدي. وقد جاء عرضه بمسرح الحي البرتغالي بمدينة الجديدة،من تنظيم النادي السنمائي بحضور جماهيري وازن أغلبه من فئة الشباب ليؤكد أن هذا النمط السينمائي رغم طابعه النخبوي ما يزال قادرا على إثارة النقاش واستفزاز وعي المتلقي.
منذ مشاهده الأولى، يعلن الفيلم انتماءه الواضح إلى السينما التأملية، حيث تتراجع الحكاية الخطية لصالح بناء بصري يعتمد الإيحاء، الكثافة الدلالية والصمت بوصفه مكونا دراميا قائما بذاته. الصورة هنا لا تؤدي وظيفة تكميلية للسرد بل تتحول إلى أداة تفكير تراكم المعنى عبر الزمن وتستدعي من المتفرج مجهودا تأويليا مستمرا.
اختيار إدريس اشويكة إشراك أسماء فنية بارزة مثل أركاكنة، عبد الله شيشا وميلود الحبشي والفنان الكبير عمر السيد في مشاهد قصيرة ومحدودة زمنيا يكتسي بعدا رمزيا واضحا. فهذه المشاركات العابرة لا تهدف إلى تطوير الحدث بقدر ما تؤسس لحمولة دلالية يمكن قراءتها كشكل من أشكال التكريم السينمائي. ويكتسب حضور عمر السيد على وجه الخصوص قيمة مضاعفة في ظل وضعه الصحي ليغدو ظهوره بمثابة استعادة لوجه فني محفور في الذاكرة الجماعية أكثر منه مجرد أداء تمثيلي.
يحمل عنوان الفيلم طحالب مرة شحنة رمزية كثيفة. إذ يحيل إلى حالة من الركود، التهميش والاختناقالاجتماعي الذي يطبع مسارات الشخصيات. فالطحالب بوصفها كائنات تنمو في الماء الراكد والبيئات المعتمة تتحول إلى استعارة بصرية ونفسية لوجود إنساني عالق، يفتقد الحركة والتحقق. هذا البعد الرمزي يتجسد سينمائيا عبر هيمنة الصمت الاقتصاد في الحوار والتركيز على الحركات الدقيقة والنظرات الصامتة التي تنقل ما تعجز اللغة المنطوقة عن قوله.
وعلى مستوى المعالجة، يمزج الفيلم بين مرجعية واقعية على مستوى الموضوع، ومقاربة تأملية على مستوى الشكل. فالواقع الاجتماعي حاضر بوصفه خلفية ضاغطة، غير أن المخرج يتجنب تحويله إلى خطاب مباشر أو أطروحة جاهزة. وبدل ذلك يفضل تفكيكه عبر الصورة والزمن السينمائي البطيء مما يجعل الفيلم يطرح الأسئلة أكثر مما يسعى إلى تقديم حلول أو إجابات نهائية.
ضمن هذا السياق يبرز حضور الفنانة رقية بنحدو، زوجة المخرج، بصفتها منتجة العمل ومشاركة في التمثيل باعتباره جزءا من الرؤية العامة للفيلم، حيث يتقاطع الشخصي بالفني. هذا التداخل لا يقرأ هنا كمعطى خارج نصي فقط. بل كامتداد لخيار سينمائي يؤمن بالاشتغال الجماعي وبالحميمية الفنية في بناء المشروع.
كما يسجل للفيلم تألق لافت للفنانة خديجة عدليفي شخصية الأم، حيث نجحت في تقديم أداء مركب يجمع بين الحنان والغضب في صورة واحدة. لم تكن شخصية الأم مجرد عنصر وظيفي داخل السرد، بل تحولت إلى مركز انفعالي وأخلاقي، يجسد التوتر بين الحب والعجز وبين الرغبة في الحماية والقسوة التي يفرضها الواقع.
أداء خديجة عدلي تميز بالاقتصاد التعبيري، حيث اعتمدت على نظرات مكثفة وحضور جسدي مشحون تاركة أثرا عميقا في الذاكرة البصرية للفيلم، ومضيفة قيمة إنسانية عالية إلى النسيج العام للعمل.
في المحصلة، يمكن اعتبار طحالب مرة تجربة سينمائية تنتمي إلى تيار يسعى إلى إعادة تعريف علاقة المتفرج بالصورة، من الاستهلاك السريع إلى المشاركة التأويلية. إنه فيلم يراهن على القلق بدل الطمأنينة، وعلى السؤال بدل الجواب، مؤكدا أن السينما حين تتحرر من الإملاءات السردية الجاهزة تصبح فعل تفكير بصري ووجودي في آن واحد.
