خسارة تهز الآمال: هل خذل المنتخب المغربي لأن الانتماء لا يكتسب بالجنسية فقط؟
لست من هواة كرة القدم ولا أدعي إلماما بتفاصيلها التقنية أو خباياها التكتيكية، غير أنني مغربي قبل كل شيء، أحمل غيرة صادقة على وطني، وأفرح لكل إنجاز يحققه المغرب في أي مجال كان: رياضيا، أو فنيا، أو ثقافيا، أو علميا. فالاعتزاز بالوطن لا يحتاج إلى تخصص، بل إلى إحساس صادق بالانتماء.
جاءت خسارة المنتخب الوطني الأخيرة لتخلف صدمة عميقة في نفوس المغاربة، لا لأنها خسارة رياضية فحسب، بل لأنها بدت وكأنها هزيمة في الروح قبل أن تكون في النتيجة. أربعون مليون مغربي كانوا ينتظرون أداء يليق بحجم الطموح ويعكس التضحيات والآمال التي رافقت هذا المنتخب على مدى سنوات طويلة.
وكما هو معتاد، تسابقت التبريرات: ضغط المباريات، التحكيم، تعطيل اللعب، قوة الخصم، والإرهاق. غير أن هذه الأسباب، مهما تكررت، لم تعد تقنع الشارع المغربي، لأن السؤال الحقيقي لم يجب عنه بعد: من يتحمل المسؤولية؟ ومن يملك الشجاعة ليقول بصراحة:(أنا أخطأت)؟
الأخطر من الخسارة نفسها هو الإحساس الذي خلفته لدى المتابعين؛ غياب الروح، ارتباك في الأداء، وانعدام ذلك الشعور بأن اللاعبين يقاتلون من أجل الوطن، لا من أجل أسمائهم أو مساراتهم الاحترافية. وهنا يبرز سؤال حساس لكنه مشروع: كيف يمكن للاعب لم يولد في المغرب ولم ينشأ فيه ولم يعش تفاصيله اليومية، أن يشعر بنفس العمق الوجداني والانتماء الذي يشعر به لاعب ترعرع في هذا البلد وشرب حلوه ومره؟
لا أحد ينكر أن القوانين الدولية تسمح بازدواج الجنسية ولا أحد يشكك في القيمة التقنية لبعض اللاعبين المتجنسين، غير أن كرة القدم، خاصة على مستوى المنتخبات، ليست مجرد مهارات فردية أو أرقام إحصائية، بل هي هوية وشعور جماعي. فاللاعب الذي تكون كرويا وثقافيا في بلد آخر وحمل قميص المنتخب في مرحلة متأخرة من مسيرته، يظل محل تساؤل مشروع حول مدى استعداده للتضحية بنفس الغيرة التي يتحلى بها لاعب نشأ في الملاعب المحلية وعاش واقع الكرة المغربية بكل تناقضاته.
ومن هنا يفرض سؤال أكثر عمقا نفسه بإلحاح: لماذا فشلنا في تكوين لاعبين من صلب هذا الوطن؟ أين يكمن الخلل في منظومة التكوين؟ وأين ذهبت الملايير التي صرفت على البنيات التحتية، والملاعب ومراكز التكوين؟ كيف يعقل أن نستثمر كل هذه الإمكانيات، ثم نجد أنفسنا مضطرين إلى البحث خارج الحدود عمن يمثل المنتخب الوطني؟ أليس في ذلك اعتراف ضمني بفشل سياسة البناء القاعدي، واللجوء إلى حلول سريعة بدل إصلاح جذري ومستدام؟
إن تحفظ فئة واسعة من المغاربة على سياسة الاعتماد المفرط على لاعبي الجالية لا ينبع من التشكيك في مغربيتهم القانونية، بل من خوف حقيقي من فقدان المنتخب لهويته وروحه الجماعية، وتحوله إلى فريق تجمع عناصره بالوثائق لا بالوجدان. فالمنتخب الوطني يجب أن يكون امتدادا طبيعيا للمجتمع المغربي، نابضا بقيمه ومعبرا عن طموحاته وآلامه، لا مجرد واجهة رياضية بلا عمق شعوري.
وتبقى مسألة المحاسبة هي جوهر الإشكال. هل سيقيم عمل المدرب بموضوعية؟ وهل ستراجع اختيارات اللاعبين دون قداسة أو حصانة؟ وهل ستفتح مراجعة صادقة لسياسة التكوين والتجنيس؟ أم أننا سنكتفي مرة أخرى بطي الصفحة في انتظار إخفاق جديد، يعاد معه إنتاج الخطاب نفسه والتبريرات ذاتها؟
إن الأموال التي صرفت على كرة القدم ليست ملكا لأشخاص أو مؤسسات، بل هي مال عام ومن حق الشعب أن يرى مردودها ولو على المستوى الرمزي. فالتتويج، وإن لم يعد تلك الملايير، كان سيعيد الثقة ويمنح الأمل ويؤكد أن سنوات الانتظار لم تذهب سدى.
الخسارة جزء من منطق المنافسة الرياضية،
لكن الإصرار على تكرار الأخطاء نفسها، دون محاسبة أو مراجعة، ليس قدرا… بل اختيارا.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، ينتظر أربعون مليون مغربي جوابا صريحا عن سؤال واحد:
هل نريد منتخبا يمثل المغرب بصدق… أم منتخبا يحمل اسمه فقط؟
