طوابير المرضى أمام عيادات الجديدة… إلى متى يستمر زمن “ورقة الباب”؟

14b8aa14-99b2-4676-8052-ba88e9082ca2

هناك مشاهد لا تحتاج إلى تعليق، لأنها تختزل حجم الخلل أكثر من أي تقرير أو إحصائية. ومن بين هذه المشاهد، ما تعيشه مدينة الجديدة كل صباح أمام عدد من العيادات الطبية، حيث تتحول الأرصفة إلى قاعات انتظار مفتوحة، ويتحول المرضى إلى متسابقين على ورقة معلقة بباب العيادة، في صورة لا تليق بمدينة تسعى إلى مواكبة التحول الرقمي الذي تنادي به الدولة في مختلف القطاعات.

قد يبدو الأمر عاديا لمن اعتاد هذا المشهد، لكنه في الحقيقة يعكس أزمة تنظيم أكثر مما يعكس كثرة المرضى. فمن غير المقبول أن يضطر مريض، ربما تجاوز السبعين من عمره، أو امرأة ترافق طفلا مريضا، أو شخص قدم من جماعة قروية تبعد عشرات الكيلومترات، إلى مغادرة منزله قبل طلوع الفجر، فقط ليكتب اسمه في ورقة قد تختفي قبل أن تفتح العيادة أبوابها.

الأكثر غرابة أن هذه الورقة، التي أصبحت عرفا غير مكتوب، لا تتمتع بأي قيمة تنظيمية. فقد تضيع بفعل الرياح، أو تتلف بسبب الأمطار، أو يتم العبث بها، بل إن بعض العيادات لا تعتمدها أصلا، وتمنح الأولوية لمن يقف أمام الباب لحظة الافتتاح، وهو ما يفتح الباب أمام الاحتجاجات والمشادات، ويزيد من معاناة المرضى الذين جاءوا بحثا عن العلاج لا عن الدخول في نزاعات.

ولا أحد ينكر أن بعض الأطباء يتحملون ضغطا كبيرا نتيجة الإقبال المتزايد، وأن عددا منهم يوفق بين العمل داخل المصحات والعيادات الخاصة، لكن هذا الواقع لا ينبغي أن يكون مبررا لاستمرار أساليب تنظيم تجاوزها الزمن. فالطب الحديث لا يقتصر على التشخيص والعلاج، بل يشمل أيضا حسن تدبير العلاقة مع المريض واحترام وقته وكرامته.

لقد دخلت الإدارة المغربية مرحلة الرقمنة، وأصبحت خدمات عديدة تقدم عبر الهاتف أو التطبيقات الإلكترونية، من حجز المواعيد الإدارية إلى الأداء الإلكتروني، بينما لا يزال كثير من المرضى في الجديدة ينتظرون دورهم عبر ورقة معلقة على باب عيادة. إنها مفارقة تستحق التوقف عندها.

الحل ليس معقدا، بل هو في متناول الجميع. يمكن اعتماد الحجز عبر الهاتف، أو عبر تطبيقات بسيطة، أو حتى بواسطة خدمة الرسائل القصيرة، مع تحديد توقيت دقيق لكل مريض بدل الاكتفاء بترتيب الوصول. كما يمكن وضع رمز إلكتروني (QR Code) أمام العيادة يوجه المرضى مباشرة إلى منصة حجز المواعيد، وهي حلول معمول بها في العديد من المدن المغربية، وأثبتت نجاعتها في الحد من الاكتظاظ وتحسين جودة الاستقبال.

كما أن الجهات الوصية، وفي مقدمتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، والهيئات المهنية، مطالبة اليوم بإطلاق تصور موحد لتنظيم مواعيد العيادات الخاصة، حفاظا على كرامة المرضى، وتخفيفا للضغط على الأطباء، وضمانا لسير العمل في ظروف أكثر مهنية.

ومن زاوية أخرى، فإن مشهد الطوابير اليومية يخلق انطباعات قد تكون مضللة لدى المواطنين، إذ يبدو وكأن بعض الأطباء وحدهم يحظون بالثقة، بينما تظهر عيادات أخرى فارغة، رغم أن الكفاءة الطبية لا تقاس بعدد الواقفين أمام الباب، وإنما بجودة التشخيص وحسن المعاملة والالتزام بأخلاقيات المهنة.

إن مدينة الجديدة تستحق أن تتخلص من هذا المشهد الذي أصبح جزءا من يومياتها. فكرامة المريض لا تبدأ عند دخوله غرفة الفحص، بل تبدأ منذ لحظة طلب الموعد. واحترام المواطن لا يكون فقط بتوفير العلاج، بل أيضا بتوفير نظام عادل، شفاف، وعصري يجنبه الانتظار والإهانة والقلق.

لقد آن الأوان لطي صفحة “ورقة الباب”، وفتح صفحة جديدة عنوانها التنظيم والرقمنة واحترام الإنسان. فالمجتمعات لا تتقدم فقط بتشييد المستشفيات، وإنما أيضا بطريقة تدبيرها لخدماتها، وبمدى صونها لكرامة مواطنيها.