مأساة سيدي بوزيد بإقليم الجديدة.. عندما يقود الحرمان إلى إحراق الجسد

ghghfgf

لا يزال الفقر والتهميش يمثلان جرحا غائرا في جسد المجتمع المغربي، حيث يجد الفقير نفسه عرضة للاحتقار والازدراء، محروما من أبسط حقوقه في العيش الكريم، ومقصيا من الاستفادة العادلة من خيرات بلاده. وقد شهدت منطقة سيدي بوزيد بإقليم الجديدة مؤخرا حادثة مأساوية، حين أقدم مواطن من ذوي الاحتياجات الخاصة على إضرام النار في جسده، احتجاجا على حرمانه من حق بسيط يتمثل في استغلال كشك يتيح له ممارسة تجارة شريفة تؤمن له قوت يومه. هذه الواقعة المؤلمة تعكس بوضوح اختلالات عميقة في تدبير الشأن المحلي، حيث تمنح رخص استغلال الملك الجماعي في كثير من الأحيان لذوي النفوذ أو لأقارب المنتخبين والداعمين لهم، بينما يقصى المستضعفون الذين هم في أمس الحاجة إليها.

المفارقة الصارخة التي يعيشها إقليم الجديدة تكمن في أنه يحتضن عددا كبيرا من المصانع والمعامل والشركات، لكنه في المقابل يعرف معدلات مرتفعة للبطالة، خاصة في صفوف الشباب. وهو ما يدفع العديد منهم إلى الهجرة غير النظامية والمغامرة بحياتهم في عرض البحر، بحثا عن فرص عيش أفضل. هذا الوضع يطرح سؤالا جوهريا حول جدوى التنمية الاقتصادية إن لم تنعكس على التنمية البشرية، وحول من يستفيد فعليا من عائدات الاستثمارات والثروات المحلية.

لقد أصبح من الملح اليوم إعادة النظر في القوانين والسياسات التي تسمح بتغول المال والنفوذ، وإقرار آليات شفافة وعادلة في توزيع فرص الاسترزاق. ومن بين الإجراءات الضرورية: تجريد ذوي المال من الامتيازات المرتبطة بالملك الجماعي، وضع ضوابط صارمة لمنع الجمع بين الثروة والسلطة، فتح المجال أمام الشباب العاطلين والطاقات الجديدة لتولي المسؤولية والمساهمة في صياغة السياسات العمومية. فهؤلاء، بحكم معايشتهم اليومية لمعاناة الناس، أقدر على تقديم مقترحات عملية وواقعية تنبثق من معايشتهم اليومية لواقع الهشاشة.

إن معالجة هذا الوضع لا تقتصر على شعارات أو وعود، بل تتطلب إرادة سياسية حقيقية لإرساء العدالة الاجتماعية وربط التنمية الاقتصادية بكرامة الإنسان. فالفقر ليس قدرا محتوما، بل هو نتيجة سياسات غير منصفة، ويمكن تجاوزه إذا ما أعيد الاعتبار للفقير باعتباره مواطنا كامل الحقوق، يستحق أن يعيش بكرامة وأن يستفيد من خيرات بلاده على قدم المساواة مع غيره.