مدينة الجديدة بين تعثر المشاريع وغياب الحكامة: إلى أين؟

bb892058-ce24-42ac-9276-995e37dcd66f copy

تعيش مدينة الجديدة في السنوات الأخيرة وضعا حضريا مقلقا، يتجلى في انتشار الأوحال والنفايات، وتعثر عدد من الأوراش الكبرى التي كان يفترض أن تشكل رافعة للتنمية الحضرية وتحسين جودة عيش الساكنة. هذا الوضع أفرز حالة من التذمر والاستياء في أوساط المواطنين وفعاليات المجتمع المدني، وأعاد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول أسلوب التسيير، ونجاعة التتبع، ومسؤولية مختلف المتدخلين.
ففي ظل ما تصفه الساكنة بتسيير عشوائي ووصاية سلطوية محتشمة، دخلت المدينة في دوامة من الاختلالات البنيوية التي تركت انطباعات تشاؤمية واضحة، وانقسم معها الفاعل المحلي بين معارض ومناهض من جهة، ومتواطئ أو متخاذل من جهة أخرى. ويزداد هذا الإحساس حدة مع تعثر مشاريع مهيكلة أعطيت انطلاقتها منذ مدة، دون أن ترى النور إلى اليوم.
ومن بين هذه المشاريع، الطريق الشاطئية، وحديقة محمد الخامس، وشارع جبران خليل جبران، وغيرها من الأوراش التي رُصدت لها اعتمادات مالية مهمة، وحددت لها آجال واضحة في دفاتر التحملات. غير أن الشركات المكلفة بالتنفيذ لم تفِ بالتزاماتها، إذ تجاوزت جميع المشاريع المدد الزمنية المتفق عليها، ما حول أجزاء واسعة من المدينة إلى أوراش مفتوحة، دون مؤشرات واضحة على قرب انتهاء الأشغال.
ويطرح هذا الوضع أكثر من علامة استفهام حول دور جماعة الجديدة في تفعيل آليات المراقبة وتطبيق الجزاءات المنصوص عليها قانونا في حق الشركات المتعثرة، وكذا حول الدور المحتشم لعمالة إقليم الجديدة في تتبع هذه المشاريع المتوقفة أو المتعثرة، رغم أن القوانين التنظيمية تمنحها صلاحيات التنسيق والتتبع في إطار الحكامة الترابية.
وفي هذا السياق، يتساءل المواطنون: هل وزارة الداخلية على علم بما يجري في الجديدة؟ أم أن هناك نوعًا من “الكولسة ” والتدبير غير المعلن الذي يفرغ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من محتواه؟ كما يطرح الرأي العام المحلي جدوى التغييرات المتتالية على مستوى عمال الإقليم، في ظل غياب الاستمرارية في تنزيل برامج التنمية التي يتم الإعلان عنها مع كل تعيين جديد.
ويستحضر متتبعو الشأن المحلي تجربة عامل الإقليم السابق، معاذ الجامعي، الذي امتدت ولايته إلى سبع سنوات، وشهدت خلالها المنطقة إنجاز عدد من المشاريع المهمة. في المقابل، عرفت الفترة اللاحقة تعاقب ثلاثة عمال في مدة قصيرة، دون أن تتاح لهم الفرصة الكافية لتتبع وتنزيل برامج تنموية متكاملة، بل إن الإقليم ظل لفترة تحت إشراف سمير الخمليشي عامل بالنيابة، دون تعيين رسمي، وهو ما انعكس سلبا على دينامية القرار وعلى استمرارية المشاريع.
هذا الوضع غير المستقر غذى لدى جزء من الساكنة قناعة مفادها أن هناك اختلالا عميقا في تدبير الشأن المحلي، بل وذهب البعض إلى حد الاعتقاد بوجود من يسعى إلى عرقلة أو تخريب مسار تنمية المدينة، في غياب توضيحات رسمية وتواصل مؤسساتي شفاف يبدد هذه الشكوك.
وأمام هذا الواقع، ترتفع أصوات من داخل المدينة تطالب بتدخل الجهات العليا، وعلى رأسها وزارة الداخلية، من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، عبر فتح تحقيق جدي في أسباب تعثر المشاريع، وتفعيل آليات المحاسبة، وضمان تتبع صارم للأوراش الجارية. كما تدعو هذه الأصوات إلى تعيين عامل إقليم يتمتع بالكفاءة والاستقرار، ومزود بتوجيهات واضحة وصارمة للنهوض بمدينة الجديدة، وإعادة الاعتبار لمكانتها الاقتصادية والسياحية داخل جهة الدار البيضاء–سطات.
إن ما تعيشه الجديدة اليوم لا يمكن فصله عن إشكالية أعمق تتعلق بالحكامة المحلية، وبتقاطع المسؤوليات بين المنتخبين والإدارة الترابية، وهو ما يجعل إصلاح الوضع رهينا بإرادة سياسية حقيقية، وتدبير شفاف، وتواصل مستمر مع الساكنة، حتى لا تبقى التنمية مجرد شعارات، وتتحول المدينة إلى ورش دائم بلا أفق.