من المسؤول عن تخريب حديقة محمد الخامس بالجديدة؟ القصة انطلقت في عيد الشباب في عهد محمد عرفة في 9يوليوز سنة  1994

mohammed-v-parc-à-el-jadida-maroc-avril-scène-du-avec-des-locaux-et-visiteurs-la-côte-atlantique-296804539

لم يكن اشد المتشائمين يتوقع ان تتحول حديقة محمد الخامس، التي كانت لعقود من الزمن جوهرة خضراء تتوسط مدينة الجديدة ووجهة مفضلة للساكنة والزوار، الى فضاء فقد جزءا كبيرا من هويته النباتية والجمالية. غير ان المتتبع لمسار هذه الحديقة يكتشف ان مسلسل التخريب لم يكن وليد اليوم، بل انطلق منذ سنوات طويلة وما زالت فصوله مستمرة الى حدود الساعة.

تعود بداية القصة الى الفترة التي كان فيها السيد محمد عرفة عاملا على اقليم الجديدة، حين تشرفت المدينة باحتضان احتفالات عيد الشباب بحضور المغفور له الملك الحسن الثاني. وكان لزاما على السلطات ان تجد فضاء مناسبا لاحتضان هذه المناسبة الوطنية الكبرى.

في البداية وقع الاختيار على الساحة المقابلة لمسرح عفيفي، وتم الشروع في التفكير في تهيئتها لاستقبال الاحتفالات، غير ان المشروع اصطدم برفض عدد من اصحاب المحلات التجارية الخضوع للإجراءات المطلوبة. كما ان المستشارة الملكية الراحلة زليخة الناصري لم تبد موافقتها على هذا المقترح، ليتم البحث عن بديل اخر.

هنا برز اقتراح بعض المنتخبين الذين قدموا ما اعتبروه حلا مناسبا للعامل، ويتمثل في استغلال حديقة محمد الخامس لاحتضان الاحتفالات. وسرعان ما صدر القرار باقتلاع مساحات واسعة من النباتات والاشجار التي كانت تزين قلب الحديقة من اجل خلق ساحة كبيرة تستوعب فعاليات عيد الشباب.

وهكذا اقيمت الاحتفالات، بينما تعرضت الحديقة لواحدة من اكبر عمليات التشويه في تاريخها، دون ان يعلم المغفور له الحسن الثاني حسب ما يرويه عدد من المتابعين للشأن المحلي، بحجم الضرر الذي لحق هذا الفضاء التاريخي.

وامام موجة الانتقادات التي قادها المجتمع المدني وبعض الاعلاميين، قدم العامل آنذاك وعدا بإعادة الاعتبار للحديقة واعادتها الى سابق عهدها، غير ان تلك الوعود ظلت حبرا على ورق، ولم يكتب للمشروع ان يكتمل رغم تعاقب عدد من العمال على راس الاقليم.

وبعد سنوات من الانتظار، عاد الملف الى الواجهة خلال فترة العامل محمد العطفاوي الذي اعطى اوامره للشروع في تنفيذ مشروع التهيئة. غير ان سوء الحظ رافق المشروع مرة اخرى بعدما تم نقل العامل الى مدينة وجدة قبل استكمال مختلف مراحله.

ومع تعيين العامل الحالي، كانت الساكنة تنتظر تدخلا حازما لتسريع وتيرة الاشغال وضمان احترام الآجال المحددة في دفتر التحملات، غير ان الواقع افرز وضعا مختلفا، خاصة في ظل انشغال عدد من المنتخبين بحسابات المواقع والتحالفات السياسية استعدادا للاستحقاقات المقبلة، وهو ما فتح المجال امام الشركة المكلفة بالمشروع للاستمرار في التأخير دون حسيب او رقيب.

لكن الكارثة الكبرى، بحسب عدد من المتتبعين، لا تكمن فقط في التأخير، بل في طبيعة مشروع التأهيل نفسه. فبدل اعادة الروح الى الحديقة واسترجاع طابعها الاخضر، ساهم المشروع في تقليص الرقعة الخضراء بشكل ملحوظ، وحول الفضاء من حديقة نباتية متكاملة الى شبكة واسعة من الممرات والطرقات، الامر الذي أفقدها تدريجيا صفتها كحديقة بالمعنى الحقيقي للكلمة.

ولعل المثل الشعبي القائل “جا يداويها اعماها” يلخص بدقة ما حدث لهذا الفضاء الذي كان يوما من أجمل معالم مدينة الجديدة واكثرها استقطابا للزوار خلال فصل الصيف.

لقد اصبح واضحا لدى شريحة واسعة من ساكنة الجديدة ان هناك ارادة غير مفهومة تقود تدريجيا الى محو معالم هذه الحديقة التاريخية والقضاء على ما تبقى من جاذبيتها، وهو ما يطرح اكثر من علامة استفهام حول خلفيات الاختيارات التي رافقت هذا الملف منذ بدايته.

واذا كان المشروع قد اثار الكثير من الجدل بسبب مضمونه، فان عدم احترام الشركة المكلفة للأشغال للمدة المحددة في دفتر التحملات يثير بدوره تساؤلات مشروعة حول اسباب غياب اي اجراء زجري في حقها. فإلى حدود اليوم لم يسمع الراي العام المحلي عن فرض غرامات تأخير او اتخاذ مساطر قانونية وقضائية تلزم الشركة بتحمل مسؤولياتها.

لهذا بات من الضروري فتح تحقيق اداري وتقني في هذا الملف للوقوف على مختلف الاختلالات التي شابته وتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات القانونية اللازمة، حفاظا على ما تبقى من ذاكرة المدينة وتراثها البيئي.

فحديقة محمد الخامس ليست مجرد اشجار وممرات، بل جزء من تاريخ الجديدة وذاكرتها الجماعية، واي مساس بها هو مساس بهوية مدينة بكاملها.

من اقتلع اشجار الحديقة ومن يحمي المتسببين في تاخير المشروع؟ ملف ساخن بالجديدة.