هند الباسط… فنانة صنعت مجدها بالعصامية وراهنت على الموهبة الحقيقية

481144915_1371469397638835_4191155335963651481_n

في زمن أصبحت فيه الشهرة السريعة هدفا يسعى إليه الكثيرون، اختارت الفنانة هند الباسط طريقا مختلفا، عنوانه الاجتهاد والالتزام والتكوين المستمر. لم تنتظر فرصة تصنع لها اسما، بل صنعت اسمها بنفسها، خطوة بعد أخرى، حتى أصبحت من الوجوه التي فرضت احترامها داخل الساحة الفنية المغربية، بفضل أداء صادق وشخصية فنية متفردة.

بدأت رحلتها مع الفن من بوابة المسرح، ذلك الفضاء الذي يعتبر المدرسة الحقيقية لكل ممثل. وهناك تلقت أولى دروسها في التشخيص والتقليد على يد زوجها الراحل المصطفى الجلبي، الذي آمن بموهبتها وساهم في صقلها وتوجيهها نحو الطريق الصحيح. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الخشبة بالنسبة إليها أكثر من مجرد فضاء للعرض، بل مدرسة للحياة، تعلمت فيها الانضباط، والإحساس بالشخصية، واحترام الجمهور.

ولأنها تؤمن بأن الفن رسالة قبل أن يكون مهنة، واصلت تطوير أدواتها الفنية بالممارسة والتجربة، فانتقلت بثبات من المسرح إلى التلفزيون والسينما، حيث شاركت في عدد من الأعمال التي أكدت من خلالها قدرتها على أداء مختلف الأدوار، سواء الاجتماعية أو الدرامية، بأسلوب يعتمد على الصدق والعفوية بعيدا عن التصنع.

وشكلت مشاركتها في أفلام المخرج الجديدي الفنان المصطفى بنوقاص محطة مهمة في مسارها الفني، حيث جسدت أدوار البطولة في فيلمي “كثرة الهم تضحك” و”ياقوت بين الحياة والموت”، إلى جانب نخبة من الفنانين المغاربة، من بينهم ميلود الحبشي، ومحمد حراكة، وسعاد الوزاني، وزهور اسليماني، وغيرهم. وقد أبانت من خلال هذه التجارب عن قدرة كبيرة على تقمص الشخصيات وإيصال مشاعرها بصدق، وهو ما جعل حضورها يلفت انتباه المتابعين والنقاد على حد سواء.

ولم يكن هذا التميز مجرد انطباع لدى الجمهور، بل أكدته شهادات فنانين اشتغلوا معها عن قرب. فقد صرح المخرج والفنان المصطفى بنوقاص بأن هند الباسط تعد من الفنانات النادرات اللواتي يمتلكن قدرة استثنائية على الارتجال وفهم رؤية المخرج، مضيفا: “كانت تستوعب الفكرة التي أريد تجسيدها قبل أن أنطق بها، وهو ما يجعل الاشتغال معها مريحا وممتعا، لأنها لا تؤدي الشخصية فقط، بل تعيشها بكل تفاصيلها.”

أما الفنان الخمولي، الذي جمعته بها عدة أعمال مسرحية، فقد أكد أن هند الباسط تمتلك خصوصية فنية تميزها عن غيرها، وقال: “إنها فنانة لها أسلوبها الخاص، وتجسد الشخصيات التي تسند إليها بإحساس عال وبصدق كبير، لذلك تترك كل شخصية تؤديها أثرا خاصا في وجدان المشاهد.”

وتعكس هذه الشهادات المكانة التي استطاعت هند الباسط أن تحققها داخل الوسط الفني، ليس بفضل العلاقات أو الحظ، وإنما بفضل موهبتها وانضباطها واحترامها للمهنة، وهو ما جعلها تكسب ثقة المخرجين وزملائها، وتثبت أن الفنان الحقيقي هو من يفرض نفسه بعمله وليس بضجيج حضوره الإعلامي.

ورغم ما تعيشه الساحة الفنية من تحديات، وما يشتكي منه كثير من الفنانين من غياب تكافؤ الفرص، وهيمنة منطق الإنتاج التجاري على حساب الجودة الفنية، فإن هند الباسط لم تسمح لهذه الظروف بأن توقف مسيرتها. فقد اختارت أن تجعل من كل تجربة محطة جديدة للتطور، مؤمنة بأن القيمة الفنية الحقيقية لا تقاس بعدد المشاركات، بل بجودة ما يقدمه الفنان وبالأثر الذي يتركه لدى الجمهور.

وعلى المستوى الإنساني، تخوض هند الباسط معركة يومية لا تقل أهمية عن مسيرتها الفنية، إذ تحرص على التوفيق بين مسؤولياتها الأسرية وانشغالها بتربية بناتها الثلاث، وبين التزاماتها فوق خشبة المسرح وأمام عدسة الكاميرا. ورغم صعوبة هذه المعادلة، فإنها نجحت في تحقيق التوازن بين حياتها العائلية ومسيرتها الإبداعية، مقدمة نموذجا للفنانة المغربية التي تؤمن بأن النجاح المهني لا يتعارض مع الوفاء لأسرتها.

إن تجربة هند الباسط تؤكد أن الفن الحقيقي لا يبنى على الصدفة ولا على الشهرة العابرة، بل على سنوات من الصبر والعمل والتعلم المستمر. فهي من الفنانات اللواتي اخترن أن يتركن بصمتهن بالأداء الراقي، وأن يراهن على احترام الجمهور قبل أي شيء آخر.

ولا شك أن هذه الفنانة تمتلك من الإمكانيات ما يؤهلها لتقديم أدوار أكثر عمقا واتساعا، متى وجدت فرصا تليق بموهبتها. فالساحة الفنية المغربية في حاجة إلى فنانات من طينتها، يؤمن بأن الإبداع رسالة، وأن النجاح الحقيقي هو الذي يبقى في ذاكرة الجمهور بعد أن تنطفئ الأضواء، لتظل هند الباسط اسما يكتب مساره بثبات، وفنانة تستحق مكانة أكبر في المشهد الفني المغربي.