المرصد المغربي للدفاع عن حقوق المتعلم بيان توضيحي للرأي العام

اقتناعا منه بما للحوار المتبادل البناء والمفضي إلى نتائج تخدم مصالح المتعلمين بمختلف أسلاكهم الدراسية، المساعدة على توفير الظروف الملائمة والضرورية التي تضمن له تعليما جيدا وديمقراطيا وتيسر اندماجهم الإيجابي والتفاعلي في المحيط الدراسي والاجتماعي، بالشكل الذي يجعلهم قادرين على مواجهة مختلف التحديات وكسب الرهانات التي تطرح عليهم في مختلف مجالات الحياة وتحول دون تمكنهم من التطور الفعلي والفعال الضامن لمساهمتهم الفعالة في مجريات التنمية الشاملة والمستدامة المنتظرة.

        وانسجاما مع مبادئه العامة ارتأى ضرورة الكشف عن مجموعة من الإجهازات التي طالت حقوق المتعلمين والمتعلمات، وأودت بأوضاعهم إلى احتلال مواقع متدنية تحول دون جعله يتمتع بتعلم فعال ودينامي، يؤهلهم  للترقي التعلمي ويسهل عليهم عملية ولوج سوق الشغل في القطاعين العام والخاص، ويمنح لهم فرص المشاركة في البحوث والأعمال النظرية والتطبيقية التي تواكب المستجدات العلمية والفكرية العالمية.

        وإيمانا منه بأن ذلك لن يتأتى تحقيقه إلا إذا انخرط الجميع في التصدي للمؤامرات، وإحباط الضغوطات التي تمارسها بعض اللوبيات التي تعتبر تطور النظام التربوي  والتعليمي ولاجتماعي والتنموي ضربا قويا لمصالحها الضيقة، وإلا إذا استوعب الكل التوجه الليبرالي المتوحش الذي يعصف بكل شيء ويؤمن فقط بخدمة التسلط والاستبداد، ويسحق الفئات الهشة والطبقة المتوسطة، ويزرع في الناشئة قيم السلبية المتمثلة بالأساس في الإحباط والقنوط واليأس والتشاؤم والنظرة السوداوية للحياة. وينعكس كل ذلك على الإجراءات والتدابير السريعة والمتسرعة التي تنتهجها الحكومة لإفراغ مختلف القطاعات من عمقها الوظيفي، وتشلها عن أداء مهامها الأساسية، ومن هذه القطاعات ، قطاع التربية والتكوين الذي يدق أخر مسمار في نعش المنظومة التعليمية، من خلال ضرب مبدأ مجانية التعليم من لدن توصيات المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وكذلك بواسطة ما تقدم عليه وزارتي التربية والوطنية والتكوين المهني ، والتعليم العالي والبحث العلمي من عمليات ارتجالية وترقيعية تزيد من تفاقم المشاكل والأزمات التي تشهدها المؤسسات التعليمية والتكوينية والجامعية ببلادنا، وتحول دون تمكينها من تحقيق الأهداف المتوخاة.

        واستحضارا منه لحصيلة ما أسفرت عنه السياسات التدبيرية  “الإصلاحية” للشأن التربوي والتكويني ، نلفيها تؤكد على الانزلاقات الخطيرة والانحرافات المتكرر، وتمادي المسؤولين في نهج نفس التوجهات التسييرية السابقة، رغم التحذيرات الداخلية والخارجية للمآلات الفاشلة، التي نتجت عن هذه السياسات، وأوصلت أوضاع التعليم ببلادنا إلى حافة التصدع والانهيار.

        وتأكيدا منه على المبادئ الأربعة للحركة الوطنية والمتمثلة في :

  • 1 مغربة الأطر
  • 2 توحيد التعليم
  • 3 مجانية التعليم
  • 4 تعريب التعليم

        التي ظلت معلقة لم تشهد حتى اليوم تطبيقا فعليا لها، بل الأدهى من هذا أننا وجدنا تراجعا وإجهازا على مكتسبات الشعب المغربي في مجال التربية والتكوين، ويتعلق الأمر بضرب مجانية التعليم، وتفويت المدرسة العمومية إلى القطاع الخاص، الذي تسيل لعابه من أجل الهيمنة عليه،  وتحويله إلى ربح سريع حتى وإن كان ذلك على حساب ما تبقى للطبقة المتوسطة والفئات الهشة من حقوق، وتعمد استحالة إيجاد حلول للمشاكل التي تنخر جسد المدرسة المغربية ، وإخراجها من نفق الأزمة، وتعبئة الشعب المغربي للرضوخ للأمر الواقع وقبول هذه الإجراءات الليبرالية المعتمدة في تدبير شؤوننا التربوية والتكوينية.

        انطلاقا من كل هذا وارتباطا بالنتائج التي كشف عنها المجلس الأعلى للتربية والتكوين حول الوضعية المزرية التي تعيشها المدرسة المغربية، والتي تعكس بالملموس وبما لا يدع مجالا للشك الاختلالات الكبرى التي تؤزم نظامنا التربوي والتكويني، وتجعله يحتل المراتب الأخيرة ضمن الأنظمة التربوية والتكوينية العالمية، وينال قسطا كبيرا من الانتقادات اللاذعة التي توجه إلى مختلف مكوناته وعناصره.

        وبناء تمادي المسؤولين في نهج نفس التدابير والإجراءات التي أبانت التجارب عن فشلها، وعدم قدرتها على معالجة القضايا الجوهرية والمشاكل العميقة التي تعاني منها المنظومة التربوية والتكوينية وتحول دون تمكنها من المساهمة الفعالة والفاعلة في إرساء أسس انطلاقة شاملة ومستدامة تلبي حاجيات الشعب المغربي وتستجيب لانتظاراته.

        ورغبة منا في إبراز الحصيلة التشخيصية التي توصلنا إليها بعد تحليلنا ـ بالفحص والتمحيص ـ لمختلف المجالات والميادين الإدارية والتربوية واللوجيستيكية، المرتبطة بواقع المؤسسة التعليمية المغربية، وما يمثله من تراجع وإجهاز للمكتسبات  التي ناضل من أجلها الشعب المغربي.

        وانفتاحا على الأعمال التقويمية التي أنجزتها منظمات وهيئات وطنية ودولية مهتمة بالشأن التربوي المغربي لاسيما الأعمال التي شرحت الوضعية التربوية المغربية، وأبانت عن هشاشتها وتدهورها وعدم التحاقها بالركب التربوي العالمي واستجابتها لانتظارات ما يطمح إليه الشعب المغربي، وما يرغب في تحديه من إكراهات وصعوبات تعطل نموه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

        وتأسيسا على ما سبق يسجل المرصد المغربي للدفاع عن حقوق المتعلم الملاحظات الاتنقادية التالية:

        أولا: إن النهج الذي تسلكه وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني في معالجة القضايا والاختلالات التربوية والتكوينية تبين بالملموس فشلها الواضح في ذلك، وأنها تجهز بهذه الإجراءات على مكتسبات لشعب المغربي وتضرب في العمق مصداقية المدرسة المغربية العمومية، وتنحو بها نحو الخوصصة، هذا مع العلم أن أغلب الجماهير الشعبية المغربية محدودة الدخل ولا تستطيع تحمل تكاليف تمدرس أبنائها بكيفية تؤهلهم لامتلاك الموارد الضرورية التي تجعلهم قادرين على الانخراط في سوق الشغل والاندماج الإيجابي في محيطهم السوسيولوجي.

        ثانيا: معظم القرارات التي يتخذها المجلس الأعلى للتربية والتكوين تعطيالضوء الأخضر وتشير صراحة إلى ضرورة التعجيل بإلحاق المدرسة العمومية بقطاع التعليم الخصوصي، ويتضح ذلك جليا من خلال إقراره لضرب مجانية التعليم، والتأكيد على تحمل الأسر المغربية تكاليف تمدرس أبنائها إن هي أرادت لهم تعليما جيدا، هذا الذي لا توفره المدرسة العمومية حسب تصور المجلس.

        ثالثا: تمادي مسؤولي وزارتي التربية والوطنية وتكوين الأطر ووزارة التعليم العالي في اتباع سياسة تعليمية وتكوينية ترقيعية، وغير فعالة أبانت جل الدراسات التقويمية عدم نجاعتها، وقدرتها على المعالجة الفعلية والفعالة لإشكالات واختلالات نظامنا التربوي والتكويني، والواضح أن المتتبع للشأن الإصلاحي التربوي المغربي لا يلمس أي تغيير بين الوزارات السابقة والوزارات الحالية فيما يتعلق بتدبير وتسيير أمورنا التربوية والتكوينية، كما أن وصفات إصلاحية وتصحيحية ومقترحة ما هي إلا نسخ طبق الأصل للوصفات السابقة وأن الاختلاف ينحصر بدرجة أولى في المساحيق الشكلية والأغلفة الخارجية.

        رابعا:  تساؤلات الشعب المغربي عن الإجراءات المستعجلة التي من المفروض أن تكون وزارتي التربية الوطنية والتعليم العالي قد قامتا بتطبيقها وهمت البرامج والمناهج التعليمية والتكوينية والأطر التدريسية والإدارية والبنايات والتجهيزات … فكل هذه الأمور وغيرها ما زالت تنتظر المسؤولين الذين قد تقدف بهم المدينةالفاضلة ليضعوا حدا لهذه المهازل التي يعرفها المشهد التربوي والتعليمي ببلادنا.

        خامسا: ما مصير أغلب المتعلمين وخريجي المدرسة العمومية المغربية الذين أصبحوا يتواجدون في فضاءاتها وإمكانتها غير الملائمةغير الشجعة على التعليم والتعلم الفعال وغير المسعفة على امتلاك التعلمات الضرورية التي تجعلهم قادرين على الترقي التعلمي والاندماج الإيجابي والتفاعلي في المحيط السوسيو اقتصادي. إن الاكتظاظ المهول الذي تعرفه أغلب مؤسساتنا التعليمية والغياب الشبه المطلق للإمكانات والوسائل الضرورية، وعدم استجابة عروضها للطلب عليها، كل ذلك وغيره يجعل فعلا هذه المؤسسات التربوية والتكوينية لا تفي بالأهداف المتوخاة منها ولا تعين المتخرجين منها على التحكم في ما يؤهلهم للمساهمة في دواليب التنمية الشاملة والمستدامة المنتظرة.

        سادسا: الإقصاء المتعمد أو غير المتعمد لذوي الاحتياجات الخاصة الذين خارج أجندة وزارتي التربية الوطنية والتعليم العالي، إذ إنهم لا يتوفرون على الإمكانات التي من المفروض أن توفرها هاتان الوزارتان لهم للاندماج في الوسط الدراسي والتأهل للتكيف مع المحيط الاجتماعي والاقتصادي ليجد هؤلاء أنفسهم وجها لوجه أمام أسرهم التي تتحمل الأعباء المادية والمعنوية لتوفير الظروف الملائمة والبحث عن الحلول الممكنة لتمدرسهم، وتسهيل عملية اندماجهم.

        سابعا: الفتور والإحباط واللامبالاة والإهمال… تلك أهم السمات التي تميز معظم أسر المتعلمين الذين يستعدون لولوج عالم الدراسة المبهم بالنسبة للمدرسة المغربية التي لم تعد تستوعبهم وتفتح دراعيها لاحتضانهم، وتحصينهم من الانجراف في التيارات الفاسدة والمفسدة لهم. هذا فضلا عن أن جل الأطر التربوية والإدارية يطالها التذمر والإحباط والتخوف مما يحاك ضد المدرسة المغربية العمومية من مؤامرات لا ندري عواقبها.

        ذلك باختصار شديد أهم ما رصده المرصد المغربي للدفاع عن حقوق المتعلم من انزلاقات وانحرافات، ما زالت سارية في جسد منظومتنا التربوية والتكوينية، حاول إثارتها هنا بهدف لفت انتباه المسؤولين إلى العواقب الوخيمة لتماديهم في نهج تفويت المدرسة المغربية إلى الخواص، وتشجيع التعليم الخصوصي واعتباره البديل الأنجع والأفيد والأفضل لمجتمعنا المغربي.

إمضاء

الرئيس الوطني للمرصد المغربي للدفاع عن حقوق المتعلم

الدكتور عزالعرب إدريسي أزمي