تجليات الحجاج في الاهازيج البدوية

ياسين الطوسي

تشكل الأهازيج البدوية متنا هاما داخل الثقافة الشفاهية المغربية؛ فعلى امتداد سهول المغرب شمالا وجنوبا ثم شرقا وغربا “هناك مساحات مفتوحة مترامية الأطراف من أصوات غناءٍ قرويٍّ شفوي وموسيقى تقليدية عروبية الجذور، متعددة الأشكال والأبعاد والدلالات، تجوس الروح الممتلئة بالحنين، المخترقة بفداحة الاقتلاع والفقدان والخسارة والخيبات الغامضة.
وتعتبر الأهازيج البدوية، نوعا من التواصل مع الآخر، وهكذا فهي خطاب له مقصدية معينة، شأنها في ذلك شأن الشعر، إذ أنها قد تكون مدحا أو فخرا أو رثاء أو غزلا…والأكيد أن هذه الأغراض في الأهازيج تتأسس على آليات حجاجية، وتستقي حججها انطلاقا من محيطها البيئي والثقافي.

نحاول في هذا المقال تتبع تجليات الحجاج في فخرية ” دُوَّرْانَا مْگَوَّرْ فِي الظَّهْرْة”، وهي من الأهازيج التي جمعتُها في إطار المسح الذي قمت به للتراث الشفاهي بدوار أولاد السي عبد الله بن مسعود.
الفخرية:
آهْوِي آهْوِي ِ آهْوِي دُوَّرْانَا مْگَوَّرْ فِي الظَّهْرْة مَا يْخَافْ مَنْ غَارَاتْ هاه آهْوِي آهْوِي ِ آهْوِي رَا جْمَالُ(ه) تْحَنَّنْ وُ مْوَلِيهَا يْبَعْدُو الرَّحْلاَتْ هاه آهْوِي آهْوِي ِ آهْوِي رَا خَيْلُ(ه) تْحَنْحَنْ وُ مْوَالِيهَا يْكُوْفُو الرُّزَّاتْ هاه آهْوِي آهْوِي ِ آهْوِي رَاغَنْمُ(ه) تْصَيَّحْ يَا مَالُ(ه) مَا صَابْ فِينْ يِبَاتْ آهَايْهْ.

تُردَّد هذه الأهزوجة في مناسبة حفل الزواج، وبالضبط في مرحلة “التَّدْرَاز” ، حيث تجلس العروس وتتحلق حولها “اهْلِيَّاتْها”، كما يحضر هذا الطقس أهل العريس أيضا، ومن ثم يمكن اعتبار أهل العروس مرسِلا، وأهل العريس مرسَلا إليه، فما وظيفة الفخر في هذه المناسبة؟ وكيف يتم التأسيس له، وإقناع المتلقي بمضامينه؟
الشجاعة صفة تميز الدوار (نتيجة مقدَّمة)
آهْوِي آهْوِي ِ آهْوِي دُوَّرْانَا مْگَوَّرْ فِي الظَّهْرْة مَا يْخَافْ مَنْ غَارَاتْ هاه
يشرع المتكلم في بناء “النموذج” ، نموذج الدوار القوي الذي ينتمي إليه، وذلك من خلال حشد مجموعة من الصفات الإيجابية، وأول هذه الصفات، الشجاعة ” مَا يْخَافْ مَنْ غَارَاتْ”، حيث تم نفي صفة الخوف عن فرسان القبيلة، الذين كانوا يعسكرون خارج الدوار في منطقة تسمى “الظَّهْرَة” ، وقد كانت هذه المنطقة ثغرا يدخل منه الخصم، بيدا أن المتن لا يحدد هوية هذا الخصم، والذي قد يكون العسكر البرتغالي أو الوطاسيين أو القبائل المجاورة. وكان فرسان “دوار أولاد السي عبد الله بن مسعود” يعسكرون في “الظهرة” درءاً لأي هجوم محتمل . وهكذا فوجود الفرسان في منطقة خارج القبيلة، بهدف الدفاع عنها، سمة من سمات الشجاعة.
يمكن اعتبار هذا “البيت” بمثابة نتيجة مُقَدَّمة مفادها شجاعة ساكنة الدوار، فيما تشكل “الأبيات” اللاحقة مقدمات مؤخَّرة، في شكل حجج مؤدية لهذه النتيجة.
“البيت” الأول الشجاعة
المقدمة الأولى: الجمل رمز الغنى والشجاعة
آهْوِي آهْوِي ِ آهْوِي رَا جْمَالُ(ه) تْحَنَّنْ وُمْوَلِيهَا يْبَعْدُو الرَّحْلاَتْ هاه.
نلمس من خلال العبارة “جْمَالُ(ه) تْحَنَّنْ” إشارة إلى كثرة الإبل في “الدُّوَّار”، فاللفظ الأول دال على الجمع يتساوق وسمة الكثرة ، كما أن الدراسات البيطرية تشير إلى أن بلوغ الجمل يبدأ من السنة الثالثة وتصل الذكور إلى قمة نشاطها الجنسي بعد سبع سنوات ، فالبلوغ والكثرة -رغم ضعف وتيرة التوالد عند الإبل ذات السنام الواحد، بسبب التأخر في البلوغ والحمل والولادة الأولى التي تتم في سن متقدمة والفترات الطويلة الفاصلة بين ولادة وأخرى- هما مؤشران على غنى “الدُّوَّار”، حيث إن تواجد الإبل البالغة بكثرة يجعلنا نخلص إلى أن سكان القبيلة لا يذبحونها، وهذا يقتضي توفرهم على مصادر أخرى للحوم، كما أنهم لا يبيعونها وهذا يقتضي عدم حاجتهم إلى لمال أو شيء آخر كالحبوب مثلا. فتوفر مصادر اللحوم وعدم الحاجة إلى لمال والحبوب دليل على الغــــــــــــنى الذي يتميز به الدُّوَّار.
وترى الدراسات البيطرية أن البلوغ عند الإبل وتكاثرها تتحكم فيه، إلى جانب العمر، التغذية الجيدة ، ومن ثم فوجود الإبل بكثرة وبلوغها مرحلة الهيجان مؤشران يدلان على حسن الرعاية التي تحضى بها هذه الدواب في الدوار، وهذا لن يتأتى إلا من خلال وفرة الكلأ وتنوعه، الأمر الذي يقتضي وجود أراضي شاسعة للزراعة والرعي، وهذا دليل آخر على الغــــــنى الذي يتسم به الدُّوار.
الكناية عن الشجاعة
إن فترة الهيجان عند الجمل موسمية ومرتبطة بموسم التزاوج، وخلالها يتغير سلوك الذكر، فيصبح شرساً له ميول عدوانية، تجعله يهاجم الذكور الأخرى وكذلك الإنسان ، ومن ثم لا يمكن الاطمئنان إليه، بيد أن ذلك لم يكن ليثني تُجَّار “دوار أولاد السي عبد الله بن مسعود” عن رحلاتهم التجارية، وهذا دليل على شجاعتهم.
يشير “البيت” إلى عادة من عادات الدُّوار، وهي التِّرحال من خلال عبارة ” مْوَلِيهَا يْبَعْدُو الرَّحْلاَتْ”، هذا السلوك لم يكن بحثا عن الخصب إنما كان الترحال للتجارة ، لأن ساكنة الدوار ليست من الرُّحَّل، والدليل على ذلك تواجدها واستقرارها الدائم بالدوار، وهذا مؤشر آخر يدل على سمة الغنى.
يلاحظ في هذا البيت هيمنة سمة الغنى على سمة الشجاعة، إذ تبدو مؤشرات الغنى صريحة، بخلاف سمة الشجاعة التي تبدو ضمنية.
“البيت” الثاني الغنى والشجاعة
المقدمة الثانية: الخيل رمز الغنى والأصالة
آهْوِي آهْوِي ِ آهْوِي رَا خَيْلُ(ه) تْحَنْحَنْ وُمْوَالِيهَا يْكُوْفُو الرُّزَّاتْ هاه
تحتل الخيل مكانة خاصة في المعتقد الجمعي، وهذا ما جعل المرسِل يراهن على حجيتها كرمز من رموز الغنى .
ورد في البيت عبارة ” مواليها يْكُوْفُواْ الرُّزّات”، وهي كناية عن الترف والأصالة، ف”الرُّزّة”، وهي العمامة (العْصَابَة)، لباس تقليدي بدوي، يتساوق ورمزية الخيل للغنى، فهي، العمامة، وسيلة من وسائل التجمُّل. ويدل الاعتناء بالهندام في ذلك الزمن على الغنى الذي كانت تعيش فيه ساكنة الدوار.
هيمنت، في هذا البيت أيضا، تيمة الغنى.
“البيت” الثالث الغنى
المقدمة الثالثة: الغنم رمز غنى الدوار بأكمله.
آهْوِي آهْوِي ِ آهْوِي رَاغَنْمُ(ه) تْصَيَّحْ يَا مَالُ(ه) مَا صَابْ فِينْ يِبَاتْ آهَايْهْ.
بعد الإبل والخيل، تناول المتكلم الغنم باعتبارها مؤشرا آخر أكثر حجية على غنى الدوار، فإذا كان امتلاك الإبل والخيل يقتصر على فئات من القبيلة، وهذا ما نفهمه من خلال لفظ “مَّوالِيها”، فإن الغنم لم تقترن بهذا اللفظ، بل نجدها مرتبطة بلفظ الدوار، مما يجعلها المؤشر الأكثر حجية على غنى الدوار برمته، على اعتبار أن كل أسرة تملك الغنم، ومن ثم فهي في مستوى معين من الغنى. ويتساوق لفظ “تصيَّح” مع الدلالة على الغنى، إذ ورد اللفظ مضعّفا يفيد كثرة الغنم وقوتها.
“البيت” الرابع الغنى
لماذا ساق المتكلم حججا دالة على الغنى وقد قدم نتيجة مفادها الشجاعة؟
للإجابة على هذا التساؤل، وجب علينا التدقيق في طبيعة السؤال الذي اختُتِمت به القصيدة ” آهْوِي آهْوِي ِ آهْوِي رَاغَنْمُ(ه) تْصَيَّحْ يَا مَالُ(ه) مَا صَابْ فِينْ يِبَاتْ؟ آهَايْهْ.
يبدو من خلال السياق أن الأمر يتعلق بأسلوب استفهام إنكاري، والجواب عنه يقتضي إثبات ما تم نفيه، أي أن الجواب على السؤال “مال(ه)ما صاب فين يبات” سيكون على الشكل التالي ” بلى” “عندُ(ه) فين يبات”، وما سيدفع المتلقي للإجابة بالإثبات هو الحجج التي ساقها المتكلم مرتبة وفق سلم حجاجي، والتي تفيد الغنى الذي يتسم به الدوار، إذ لا يستقيم المنطق ووجود شخص غني وليس له مكان يبيت فيه.
لكن كيف يمكننا العبور من الغنى إلى الشجاعة؟
وردت في بداية القصيدة إشارة إلى أن رجال القبيلة يعسكرون خارج “الدوار” أي خارج بيوتهم: “آهْوِي آهْوِي ِ آهْوِي دُوَّرْانَا مْگَوَّرْ فِي الظَّهْرْة مَا يْخَافْ مَنْ غَارَاتْ هاه”، لكن هذا المبيت اختياري وليس اضطراريا ناتجا عن الفقر، إذ إن الغنى الذي يتسم به “الدوار” يلغي شبهة الاضطرار، ومن ثم فالمبيت خارج الدوار هو اختياري، والغرض منه حماية الدوار، وهذا أكبر دليل على الشجاعة.
لقد تم تسخير سمة الغنى لخدمة سمة الشجاعة، حيث تم التبئير ، في الحجج، على مؤشرات الغنى، لإبراز شجاعة ساكنة الدوار.
لكن لماذا التركيز على الشجاعة وتسخير الغنى لخدمة هذا الغرض؟
سبقت الإشارة أن الخطاب يتحرك داخل إطار ديني إسلامي العربي. وأن هذه القصيدة يتم ترديدها خلال حفل الزواج، وبالضبط، في مرحلة “التدراز”، حيث تتحلق النسوة حول العروس، فتردد مجموعة من الأهازيج ذات طابع فخري ونصحي، وكأن هذه الأهازيج، وخاصة الفخرية، رسالة إلى أهل العريس، فإذا كان العريس من القبيلة نفسها، فالخطاب الفخري يشمل العريسين، ويتنبأ لهما بذرية شجاعة، أما إذا كان من قبيلة أخرى، وهنا يكون الفخر أكثر حضورا، فهذا الخطاب يخبر العريس بخصال أخوال أبنائه المفترضين، وأهم خصلة هي الشجاعة، إذ لما كان احتمال انتقال الثروة من عائلة الأم للأبناء احتمالا ضعيفا، وهذا راجع إلى نظام الإرث في الإسلام، حيث إن المرأة ترث “نص عود”، و لما كان احتمال الحصول على الإرث من الأخوال بدوره ضعيفا، فقد راهن المتكلم على السلوك والأخلاق؛ لأنهما غير خاضعين لهذا النظام، كما أن هناك من يقول بأن الرسول (ص) أوصى باختيار الزوج بالنظر إلى إخوانها، وذلك من خلال قوله “خوِّلوا أبناءكم…” ،ودون الدخول في متاهات صحة الحديث أو ضعفه ، فما يهمُّنا هو الذِّهنية التي يتحرك فيها الخطاب، إذ سواء أكان الحديث صحيحا أم ضعيفا، فهو مُنْتَج ومتداوَل داخل المحيط الاجتماعي والعقدي الذي نشأت فيه هذه الأُهزوجة، مما يجعلنا نعتقد بوجود آثاره في هذه القصيدة.
تركيب
لقد أسس المتكلم خطابه على مقدمات في شكل وقائع وحقائق؛ أما الوقائع فهي كل ما يمكن إدراكه حسيا، كالأغنام والخيل والإبل وما يصاحبها من أصوات، وأما الحقائق فهي ما يُفهم من كثرة هذه الحيوانات وكذا دلالات أصواتها، مثل الغنى والشجاعة، وهي مجردة لا تدرك حسيا، وإنما تُفهم من الخطاب.
اِستحضر المتكلم الخلفية الاجتماعية والثقافية والعقدية التي تحتوي فكر المُستَمَع، وراهن عليها للتأثير فيه.
يحتوي الخطاب جانبا صريحا وآخر ضمنيا، فالخطاب الصريح هو الجانب المعلن من الحجج، التي تدل على الغنى ومن ثم على الشجاعة. أما الخطاب الضمني فهو المسكوت عنه، فالثروة، مثلا، إلى جانب دلالتها الصريحة على الغنى، هي في الوقت نفسه رسالة إلى العريس مفادها ضرورة الاعتناء بالعروس، وعدم جعلها تشتكي من الحاجة، فهي لم تكن تشكي من نقص أو الحاجة في منزل أبويها، كما أن قبولها الزواج به ليس طمعا في ماله وإنما رغبة في تكوين أسرة. ثم إن توفر عائلتها على الأغنام والخيل والإبل يجعلها مؤهلة لتدير أملاك زوجها، فقد خَبِرت رعاية الإبل والخيل والغنم … في “خَيْمة” والديها. وقد لا نبالغ إذا اعتبرنا التغني بالشجاعة، إلى جانب أنه محفز للعريس على الظفر بالعروس، هو في الوقت نفسه، رسالة له على أن لهذه العروس أهلاً شجعانا يحمونها، ومن ثم فعليه اجتناب ظلمها أو الاعتداء عليها.
لقد سمح لي التعامل مع التراث الشفاهي، خلال بحث الإجازة ومن خلال هذا التحليل المتواضع، بالتعرف على الخصائص الجمالية والحجاجية للخطاب الشفاهي، فخلصت إلى ضرورة نفض الغبار عنه، ومحاولة إعادة قراءته بمناهج جديدة، تمكننا من الوقوف على البُنى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والفكرية والخطابية لأسلافنا.