شغب الملاعب أية مقاربة

بقلم عادل الياكدي

مدير دار الشباب البريجة

لقد كان الهدف الرئيسي للمنافسات الرياضية على مـر العـصور هـو إحـلال جـو من السـلام والتفــاهم والتقارب بين المتنافسين،ولا يزال إلى عصرنا الحاضر وسيظل إلى العصور المقبلة،سفارة جديرة بكـل ثقة،سواء على صعيد تمثيل الشعوب والأمم وإقامة التفاهم والتقارب والإحترام المتبـادل فيما بينها بعـيدا عن الحسابات السياسية والإقتصادية والإيديولوجية المختلفة،او على مستوى تشكيل منافسات تتمازج في نطاقها،وتحت شعار المودة والصـداقة والسـلم والإخـاء والمثل الإنسانية ، مختلف الثقـافـات والمشــارب العقدية، والإنتماءات العرقية كما ترمز إلى ذلك الشعلة والعلم الأولمبيين.إلا انه وعلى إثر أعمال العـنف الدموية التي عرفها ملعب “هـيسـل”البلجـيكي شهر مايو1985 إثر مقابلة لكرة القدم جمعت بين ليفربول الإنجليزي و جوفـنـتيس الإيطـالي في إطـار نهـائي كأس أنديـة القـارة الأوربية ،وامـام غرابـة الأحـداث الدموية والتي خلفت 38 قتيلا و450 جريحا والتي لم يسبق أن شهدها تاريخ كرة القدم منذ انطلاق اللعبة ببريطـانيـا سنة 1863،امـام هذا الحـدث،أبـدت عدة أوسـاط علمية اهتمامها بظاهرة العـنف في الرياضـة ولاسيما كرة القدم ،خاصة بعد ان تكررت أعمال العنف في كثير من الملاعب الاوربية وغـير الأوربـية وبلدان العالم الثالث،ففي بلجيكا مثلا كلف فريق من الباحثين المتخصصين في علم الإجرام تابعين لجامعة (لوفان)بدراسة ظاهرة العنف بالملاعب الرياضية ،حيث استجوبوا عشرات الشبان المعروفين بتعصبـهم لفرقهم وبإثارة الفوضى في الملاعب والمقاهي،واستعانوا بالمعلومات المتوفرة عنهم لدى مراكز الشرطة وفي أوساطهم الطبيعية،وخلصت الدراسة إلى أن “اعمـال العنـف التي تشهدها أحيانا ملاعـب كرة القدم ليست مشكلة تتعلق بكرة القدم ذاتها،بقدرما هي مشكلة عنف ومشكلة مجتمع “. إن معالجة أي مشكلة إجـتماعية أو تربـوية يـبـدأ أولا وقـبل كل شيئ بمـحاولة تفسـيرها،وتحـديد الأبـعاد المكـونة لـها،وحصـر الظـواهر الإجتـماعية والإقتصادية والسياسية والقيـميـة التي تؤثـر فيها،  وبالخـصوص تحديـد السياسات والبنيات التي تنتجها وتعـمل على استمراريتها،وتـأتي بعد ذلك مرحلة اقتراح واختـيار الوسائل الملائـمة للحـد من انتشـارها والقضاء علـيها. وتأسيسـا على ذلك نطرح التســاؤل التـالي:                         هل أصبحت ملاعبنا المغربية مجالا ينتج ،ويعيد إنتاج بعض السلوكات الإنحرافية’؟

فعلا تحول شغب الملاعب المغربية إلى عنف ممنهج وقاتل ،بل وأصبح “إنجازا بطوليا” يحظى القائمون بـه بالإعجـاب والتـقدير من طـرف زملائـهم ، وأصبـح يقدم عليه القاصـرون بعد تخطـيط وتهـيئ لذلـك خصوصا في ظل ظهور ما يعرف بالإلترات وهي روابط للمشجعين ظهرت في أوربا الشرقية وإيطاليـا ثم انتقلت إلى المغرب،وبالموازاة مع انتشارها بالمغرب وتطورها – بالنظر إلى الفرجة والإحتفالية التـي خلقتـها هذه الفصـائل في المدرجـات وكان لها أثـر إيجـابي على صـورة المـغرب،وساهـمت فـي إنجــاح التظاهرات التي نظمها المغرب كما هو الحال بالنسبة لجمهور الرجاء البيضاوي خلال نسخة كأس العالم للأندية – أخـذت مـعالم ثقـافة كـروية جـديدة تفـرض نفسـها شيـئا فشـيئا،وهي ثـقافـة تقـبل بعـض أشكال الإنـحراف وتشجـع عليـه مستمـدة منـه مـبررات وجودها واسـتمراريتهـا(عقلية الإلترات)،حـيث تحـولت تظاهراتنا الرياضية من فضاء للفرجة والمتعة والترويح والترفيه والتقـارب بين المتنافسـين وحماهـيرهم إلى فضـاء للخـروج عن الضـوابـط القـانونية وصـرنا أمام كشـكول من الجـرائم تـتـنوع ما بين الضرب والجرح والتخـريب وإتـلاف ممـتلكات الغـير أو العـامة،ووصلت إلى القـتل في العديـد من الحالات،كما أصبحت الملاعب مجالا لتعلم السـلوكات المنحـرفة والتي يعبر انتشـارها وتجـذرها عن دلالات خطـيرة تترجم فشل الأسر والسياسة التعليمية من جهة وإخلاء المجال للشارع لإشباع الحاجات النفسية والروحية لشبـاب تائـه ملاذه الوحـيد هو الشـارع الذي يتكفل بتنشئته وفق معاييره وقيمه وقوانـينه وضوابـطه،مـما يجعل هؤلاء الشباب يتعرضون لكثير من أنماط السلوك المنحرف والمعادي للمجتمع،ففي كتاب “مقدمات لدراسة العالم العربي” أشار الكاتب هشام شـرابي إلى أنه في مجتمعنا العربي تعطي التنشـئة الإجتمـاعية التي يتلقـاها الـطفل أهـمـية كبرى لحـكم الأخـرين وموقفـهم من ما يـقدم عليـه من أفعـال،كـما أن تنشـئـته الإجتمـاعية السلبـية التي لم تتـح له تكـوين أنـا أعلى أو ضمير سليم يرجح لديه الإلتزام بالقانون والقواعد الأخـلاقـية والإجتمـاعية،وعـندما يصل إلى هذه المرحلة يصبح الخـروج عن القـانون هو الطـابع الممـيز لسلوكه إذ أنه لايتردد في تجاوز القانون كلما اعترضته أية صعوبة،ولايشعر المنحرف بأي تعاطـف مـع الأخر سواء أكان فردا أو مؤسـسة،ذلك أنه قطع علاقـته بالمجـتمع وأصـبح المـجتمع وكل ما يـرمز إليـه موضـوعا لإسقـاط نزعـته العـدوانية عليـه.”فالشـغب وفضلا عن كونه سلوكا عدوانيا تحـول إلى سـلوك منـحرف وأصبـح ظـاهرة اجتماعية ونفسـية تعكس واقع تصرفاتـنا اليومية وتشـكل إحدى أبـرز مظـاهـر الإنفلات والعنف اللذان تحولا إلى”فوبيا” تؤرق الدوائر الأمنية والأسر ،حتى تلك التي لا علاقة لها بكرة القدم،وإذا كان القانون(09-09)المتعلق بمكافحة العنف المرتكب أثناء المباريات أو التظاهرات الرياضية أو بمناسبتها،جاء لمواجهة ظاهرة أصبحت تؤرق المجتمع المغربي برمته وبمنظومة السلم داخـل الدولـة لمساسها بحقوق الأفراد وحرياتهم وممتلكاتهم،وبالنظر لما يحتويه من إيجابيات تستحق التنويه والإشـادة إلا أنه تعتريه عدة نواقص خصوصا ما يتعلق بالقاصرين.

إن مثـيري الشغب قد فـقدوا كل اتـصال لهم بالمجتمع،وإن ردعهم عن طريق العقوبـات الجنـائية لم يعـد مجـديا  بل إن الحكم عليهم بالسـجن لا يـردعهم وإنما يشــعرهم بأنهم اكتسـبوا أهمـية أكـثر في صـفوف رفاقـهم،فالظـاهرة تتطلب قراءة سيـكولوجيا ومقاربة اجتماعية لخصوصيات جمـهور يغضب حتى وهـو رابح ؟؟؟ لقد تغـير الشـباب وتغيرت نظم عيشـه،وطباعـه،وانتظاراته،ومتطلباته وطرق تفكيره،ونظـرته للمجـتـمع وللأخــرين… وأضحـت انـتـظاراتـه ومتطلـباتـه جديــدة ومـتطورة،مما يسـتـدعـي لـزاما كــل الإستراتيجيات الشبابية أن تواكب هذا التحول،وإنه لقـمـين به  أن ينـعم بسـياسة يأخذ فيـها قطـاع الشبـاب والرياضة النصيب الأكبر،ويستأتر بقصب السبق في كل ما تتضمنه من برامج ومشاريع،وتهدف إليه من غايات يبقى الشباب دائما بالنسبة إليه بمثابة الأداة والهدف في أن واحد.

1 أفكار حول “شغب الملاعب أية مقاربة

  1. كلام في الصميم ..و تحليل منطقي …باتت ظاهرة العنف وعنف الملاعب تنخر مجتمعنا وبات من المؤكد البحث عن حلول بشكل جدي ومنطقي

التعليقات مغلقة.