موسم مولاي عبد الله …حين يتحول التراث إلى بهرجة مبتذلة ويصبح مرتبط بولد الحوات

WhatsApp Image 2025-08-09 at 14.16.35

لم يعد موسم مولاي عبد الله الذي كان يوما عنوانا للاصالة ومرآة لعادات أجدادنا سوى صورة باهتة لماض مجيد. موسم كان يحتفي بالفلاحة والفروسية بالتبوريدة والفرجة الشعبية، فإذا به يتحول اليوم إلى مهرجان صاخب يفرغ الموروث من مضمونه ويشوه هوية جماعية امتدت عبر قرون.

أصل الموسم كان التبوريدة، بطقوسها المهيبة ومعاييرها الصارمة. اللباس الموحد، الضربة المتناسقة، واعتزاز كل قبيلة بفرسانها وسربتها. كانت الليالي تحيا بفن الحلقة بحكمته ومواعظه في قالب هزلي راقٍ وكانت ألعاب الأطفال البسيطة تبهج القلوب أكثر مما تفعله منصات اليوم. كان الأعيان ينظمون الولائم للفقراء ويشرفون على ختان أبناء المعوزين، وكان الأمن مسؤولية جماعية تتقاسمه القبائل بصرامة وانضباط.

أما اليوم، فقد تلاشى كل ذلك. صارت ليالي الموسم ملكا لسهرات تجارية فارغة تستدعى إليها أسماء غنائية لا علاقة لها بالتراث لتغطي على صهيل الخيل وصوت البارود. انحرف الموسم عن أصله وصار سوقا للفوضى والابتذال.

لا يمكن الحديث عن موسم مولاي عبد الله دون استحضار فن الحلقة، هذا الفن الشعبي العريق الذي كان يشكل جامعة مفتوحة في الهواء الطلق. الحلقة لم تكن مجرد فرجة للترفيه، بل كانت مدرسة للتربية والتثقيف. فالحلايقي كان يجمع الناس حوله ليقدم في قالب هزلي حكما عميقة، ومواعظ تربوية، وقصصا من التراث الشفوي المغربي، تتداخل فيها السخرية بالفكاهة، والضحك بالعبرة.

كان الأطفال يتعلمون من الحلقة أكثر مما يتعلمون في المدرسة، وكان الكبار يجدون فيها ملاذا للضحك والاعتبار في آن واحد.
كما أن الحلقة كانت فضاء للتنوع: الحكواتي، البهلوان، الراوي، المشعوذ، العازف، وحتى صاحب الألعاب الخشبية للأطفال، كلهم كانوا يؤثثون ليالي الموسم بفرجة صادقة وممتعة.

لكن للأسف، اختفى هذا الفن تقريبا من فضاءات الموسم. صارت الساحات التي كانت تحتضن الحلقات مفتوحة للمنصات الغنائية الصاخبة، وأصوات الطبول الكهربائية غطت على أصوات الحكواتيين الذين كانوا يشعلون الخيال ويغذون العقول. اختفاء الحلقة يعني ببساطة ضياع جزء من ثراءنا الثقافي الذي ميز المواسم المغربية لقرون.

السبب؟ تدخل الجماعات المحلية في التنظيم، وفرض منطق حضري بارد على تقليد عريق لا يقبل التحديث القسري ففقد موسم مضمونه، وفقد معه هيبته، حتى صار فضاء للانحرافات و النزاعات، وللعبث الذي يسيء إلى صورة المنطقة والبلاد.
لقد كان رجال السلطة في الماضي يحمون الموسم بطرق صارمة، مثلما فعل القائد اصديكي الذي لم يكن يتساهل مع أي مشتبه فيه، فيحجز بطاقة تعريفه حتى ينتهي الموسم. أما اليوم فالمشهد مفتوح على مصراعيه، بلا انضباط ولا مراقبة، وكأننا أمام -مولد تجاري- لا علاقة له بالتراث.

إن استمرار هذا النهج يعني ببساطة أن موسم مولاي عبد الله يقترب من إعلان وفاته التراثية. فالتراث لا يعيش بالمنصات الغنائية ولا بالفرجة الرخيصة، بل يعيش بالتبوريدة، بالتضامن، وبالأعراف التي بنتها الأجيال.

موسم مولاي عبد الله ليس ملكا للجماعات ولا للمنصات التجارية، بل هو ذاكرة وطنية مشتركة والتفريط فيه جريمة في حق التاريخ والهوية.