إصلاح المنظومة الانتخابية كمدخل أساسي لتطوير الديمقراطية (قراءة نقدية في واقع الانتخابات بالمغرب)
تشكل الانتخابات في المغرب حجر الزاوية في بناء الديمقراطية التمثيلية، وقد سعى دستور 2011 إلى تعزيز مكانة المؤسسات المنتخبة وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن التجربة الانتخابية العملية ما تزال تكشف عن اختلالات بنيوية تضعف فعالية التمثيل السياسي وتحد من ثقة المواطنين في المؤسسات، مما يجعل إصلاح المنظومة الانتخابية خيارا استراتيجيا لا غنى عنه.
من أولى هذه الاختلالات غياب تحديد سقف زمني صارم للولايات الانتخابية، حيث يسمح الوضع الحالي ببقاء المنتخبين أنفسهم لمدد طويلة داخل البرلمان والجماعات الترابية. هذا الواقع يحد من التداول الديمقراطي ويسهم في تكريس نفوذ انتخابي دائم، لذلك فإن حصر الولاية في ولايتين فقط لكل منتخب يعد خطوة أساسية نحو تجديد النخب وضمان تكافؤ الفرص.
كما يبرز بشكل واضح إشكال الجمع بين عدة مهام وانتدابات تمثيلية، حيث نجد حالات يجمع فيها الشخص الواحد بين عضوية المجلس الجماعي، والمجلس الإقليمي أو الجهوي، وعضوية البرلمان، إضافة إلى التمثيل داخل الغرف المهنية، بل وقد يترأس لجانا أو مجموعات داخل هذه المؤسسات. هذا الوضع ينتج تضاربا حقيقيا في المصالح، خصوصا عندما تكون المؤسسات التي يمثلها المنتخب في علاقة تقريرية أو تعاقدية فيما بينها، فيتحول إلى فاعل يكون حكما وخصما في آن واحد، وهو ما يتعارض مع قواعد الشفافية والحكامة.
وفي السياق ذاته، يطرح الجمع بين العضوية البرلمانية والعضوية الحكومية إشكالا مؤسساتيا يمس مبدأ فصل السلط. فالبرلمان، بوصفه سلطة تشريعية ورقابية، يفترض فيه مراقبة عمل الحكومة ومساءلتها، غير أن دخول أعضاء من البرلمان إلى الحكومة يضعف هذه الرقابة ويربك توازن السلط. لذلك، فإن منع الجمع بين الصفة البرلمانية والصفة الحكومية يعد ضمانة لتعزيز استقلالية البرلمان وفعالية المساءلة الديمقراطية.
ومن جهة أخرى، يقتضي تطوير الديمقراطية الانتخابية الرفع من شروط الترشح للانتخابات بما يضمن النزاهة والاستقلالية. وفي هذا الإطار، يبرز شرط توفر المرشح على دخل قار ومشروع كمطلب وقائي أساسي، يهدف إلى حماية المنتخب من الضغوط والإغراءات المالية، والحد من ممارسات الفساد والارتهان للمصالح الخاصة. فالتجربة العملية تظهر أن هشاشة الوضعية الاقتصادية لبعض المنتخبين تجعلهم أكثر عرضة للتأثير غير المشروع، سواء خلال الحملة الانتخابية أو أثناء ممارسة مهامهم التمثيلية. ولا يعني هذا الشرط إقصاء الفئات الهشة، بل يمكن تأطيره قانونيا بمرونة تضمن الكرامة والاستقلال دون المساس بمبدأ تكافؤ الفرص.
كما أن شروط الترشح الحالية في المغرب تظل في أغلبها شكلية، ولا تراعي الكفاءة الثقافية أو التجربة الجمعوية والحقوقية للمرشحين. والحال أن جودة العمل التشريعي والتدبيري تتطلب منتخبين يتمتعون بحد أدنى من الوعي السياسي والثقافي، وهو ما يستدعي اعتماد معايير تشجع الانخراط الفعلي في الشأن العام بدل الاقتصار على الأقدمية أو النفوذ الانتخابي.
أما فيما يخص استقرار المؤسسات المنتخبة، فقد أفرز الواقع حالات متعددة لعزل رؤساء جماعات لأسباب سياسية أو صراعات داخلية، رغم انتخابهم بشكل ديمقراطي. ورغم وجود مساطر قانونية تؤطر العزل، فإن توسيع نطاقها دون ضوابط صارمة يؤدي إلى تعطيل المشاريع وضرب استمرارية التدبير المحلي. لذلك، فإن قصر العزل على حالات الجرم أو الخرق القانوني الجسيم يظل خيارا ضروريا لحماية إرادة الناخبين.
وخلاصة القول، فإن إصلاح المنظومة الانتخابية في المغرب يمر عبر حزمة متكاملة من الإصلاحات، تشمل تحديد الولايات الانتخابية، ومنع الجمع بين المهام، والتصدي لتضارب المصالح، والفصل الحقيقي بين السلط، ورفع شروط الترشح لضمان النزاهة والاستقلالية، إضافة إلى حماية استقرار المؤسسات المنتخبة. وهي إصلاحات كفيلة بترسيخ ديمقراطية فعلية تعيد الاعتبار للعمل السياسي وتخدم المصلحة العامة.
