رشيد الهنتاتي.. مهندس نهضة جديدة لفن الملحون وراعي المواهب النسوية والشابة باقليم الجديدة
في زمن باتت فيه الفنون التراثية تواجه تحديات النسيان وتراجع الاهتمام لدى الاجيال الصاعدة، يبرز اسم رشيد الهنتاتي كواحد من الوجوه الفنية التي اختارت خوض معركة الحفاظ على فن الملحون بروح عصرية ورؤية متجددة، جعلت منه رقما صعبا داخل الساحة الفنية المغربية.
لم يعد رشيد الهنتاتي مجرد منشط لجوق فني او مؤد للقصائد الملحونية، بل تحول الى مشروع ثقافي متكامل يراهن على اعادة الاعتبار لهذا الفن العريق عبر الانفتاح على الطاقات الشابة وادماج العنصر النسوي في تجربة فنية تعتبر من بين الاكثر تميزا في السنوات الاخيرة.
استطاع رشيد الهنتاتي ان يمنح لفن الملحون نفسا جديدا من خلال اسلوبه الخاص في التكوين والتاطير، حيث اعتمد على تبسيط طرق التعلم وتقريب هذا الفن من الشباب، بعيدا عن التعقيد التقليدي الذي كان يجعل الكثيرين ينفرون من خوض تجربة تعلمه. ويعرف عنه وسط المهتمين بفن الملحون انه فنان باحث يشتغل بجدية كبيرة ويؤمن بان الحفاظ على التراث لا يتم فقط عبر ترديد القصائد القديمة، بل من خلال صناعة جيل جديد قادر على حمل المشعل وتطوير هذا الفن بما ينسجم مع روح العصر.
وقد نجح جوق الهنتاتي في استقطاب مجموعة من الاصوات الشابة الواعدة من الجنسين، مانحا لها فرصة التعبير عن مواهبها فوق المنصات الفنية وفي مختلف التظاهرات الثقافية، الامر الذي جعل الجوق نموذجا فريدا يجمع بين خبرة الرواد وحماس الشباب.
ومن بين ابرز نقاط قوة تجربة رشيد الهنتاتي، ايمانه العميق بقدرة المرأة على الابداع في فن الملحون وهو المجال الذي ظل لسنوات طويلة حكرا على الرجال. لذلك عمل على فتح الابواب امام الاصوات النسائية وتشجيعها على خوض هذا اللون التراثي بثقة وحرية.
وفي خطوة تعكس وعيا ثقافيا متقدما، ساهم في تاسيس جمعية نسوية متخصصة في فن الملحون، تشرف عليها استاذة محامية الى جانب مكتب يضم كفاءات نسائية تهدف الى اكتشاف المواهب النسوية وصقلها والعمل على تطوير الحضور النسائي داخل هذا الفن الراقي وتعمل هذه الجمعية في شراكة وتنسيق مع جمعية الهنتاتي، من اجل تنظيم لقاءات فنية وورشات تكوينية وتظاهرات ثقافية تسعى الى ترسيخ مكانة المرأة داخل الساحة الملحونية المغربية.
ولم يات النجاح الذي حققه جوق الهنتاتي من فراغ، بل كان ثمرة سنوات من العمل المتواصل والمشاركة في العديد من المهرجانات والتظاهرات الفنية والثقافية، حيث استطاع الجوق ان يلفت الانظار بادائه المتميز وحضوره القوي فوق المنصات. كما ساهم التنوع العمري داخل الجوق في خلق انسجام فني نادر، جمع بين الاصالة والتجديد، وجعل الجمهور يكتشف وجها جديدا لفن الملحون اكثر قربا من مختلف الفئات.
ويرى متتبعون للشان الثقافي ان تجربة الهنتاتي تمثل اليوم واحدة من التجارب القليلة التي استطاعت ان تحول فن الملحون من مجرد تراث محفوظ الى ورش فني حي ومتجدد.
ومن بين ابرز المشاريع التي يطمح الفنان رشيد الهنتاتي الى تحقيقها، تاسيس مدرسة متخصصة داخل “دار الملحون”، تكون فضاء لتعليم اصول هذا الفن وقواعده الموسيقية والادبية، مع التركيز على التكوين الاكاديمي والتطبيقي للاجيال الجديدة. ويهدف هذا المشروع الى خلق بيئة ثقافية حقيقية تساهم في نقل التراث الملحوني بطريقة حديثة وتضمن استمراريته في المستقبل، خاصة في ظل الحاجة الى مؤسسات قادرة على احتضان المواهب الشابة وتوجيهها بشكل احترافي.
التجربة التي يقودها رشيد الهنتاتي اليوم لا تقتصر فقط على الغناء او التاطير الفني، بل تحمل بعدا ثقافيا وانسانيا يسعى الى اعادة الاعتبار لفن الملحون كجزء اصيل من الهوية المغربية. وبفضل انفتاحه على مختلف الطاقات وتشجيعه للمرأة والشباب ورغبته في بناء مدرسة فنية حقيقية، يبدو ان مشروع الهنتاتي يسير بخطى ثابتة نحو صناعة مستقبل اكثر اشعاعا لفن الملحون وترسيخ حضوره داخل المشهد الثقافي المغربي والاجيال القادمة.



