منتدى البحر بالجديدة.. تسع دورات من الندوات والصور، دون أثر على البحر والبيئة والنتيجة صفر
بعد تسع دورات من تنظيم منتدى البحر بمدينة الجديدة، يحق للرأي العام المحلي أن يطرح سؤالا جوهريا لم يعد من الممكن تجاهله: ماذا استفادت المدينة فعليا من هذه التظاهرة التي تحظى بدعم مهم من الجهات المسؤولة، وتستقطب إمكانيات مادية ولوجستية، في وقت لا تزال فيه البيئة البحرية والشاطئية بالجديدة تعاني من التلوث والتدهور سنة بعد أخرى؟
لقد انطلقت هذه التظاهرة خلال فترة العامل السابق معاذ الجامعي، قبل أن تعرف توقفا في عهد العامل الذي خلفه آنذاك، محمد الكروج، الذي لم يسمح باستمرارها، لتعود من جديد مع العامل الخمليشي، وتستمر منذ ذلك الحين إلى حدود دورتها التاسعة. غير أن استمرار المنتدى وتوالي دوراته يفرضان اليوم وقفة تأمل ومساءلة حول الحصيلة الحقيقية التي حققها، ومدى انعكاس برامجه على واقع المدينة، خصوصا أن الهدف المعلن من مثل هذه المبادرات يفترض أن يتجاوز تنظيم اللقاءات والأنشطة الظرفية إلى إحداث أثر ملموس ومستدام.
لكن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه هو: لماذا تصر الجهات المنظمة على اختيار مدينة الجديدة لاحتضان هذه التظاهرة، في الوقت الذي يلاحظ فيه المواطنون غياب نتائج بيئية واضحة على أرض الواقع؟ وهل يرتبط اختيار المدينة بخصوصياتها البحرية وموقعها الاستراتيجي ومؤهلاتها السياحية، أم أن هناك اعتبارات أخرى ينبغي توضيحها للرأي العام، خاصة في ظل ما يثار بشأن انتماء بعض المنظمين إلى خارج المدينة؟
إن الإشكال هنا لا يتعلق بأصول المنظمين أو أماكن انتمائهم، فالبحر ملك للجميع، والعمل الجمعوي والثقافي لا تحده الجغرافيا، وإنما يتعلق بمدى ارتباط التظاهرة بحاجيات المدينة الحقيقية، ومدى إشراك كفاءاتها المحلية وجمعياتها البيئية وفعالياتها الثقافية والعلمية في تحديد الأولويات وصياغة البرامج. فالجديدة ليست مجرد فضاء لاحتضان الأنشطة العابرة، ولا ينبغي أن تتحول إلى منصة لتسويق تظاهرات لا تترك وراءها أثرا يلمسه سكانها.
وإذا كان المنتدى يستفيد من دعم مؤسساتي وعمومي، فإن من حق المواطن أن يعرف حجم هذا الدعم، والجهات التي تساهم فيه، وكيفية صرفه، وما الأهداف التي تم تحقيقها في مقابل النفقات المرصودة. فالدعم العمومي ليس امتيازا للمنظمين، بل هو مسؤولية تقتضي الشفافية وربط التمويل بالنتائج، وتقديم حصيلة واضحة تتضمن المشاريع المنجزة، والأنشطة الميدانية، والتوصيات التي جرى تنفيذها، ومدى استفادة المدينة وساكنتها.
وكان من الأجدر أن تتحول الدورات التسع إلى فرصة لإطلاق مشاريع بيئية مستدامة، من قبيل تنظيم حملات دورية لتنظيف الشواطئ، وإجراء دراسات علمية حول جودة المياه والتلوث البحري، ورصد وضعية الثروة السمكية بالتنسيق مع المؤسسات المختصة، وإشراك الجامعات والباحثين والمهندسين البيئيين في وضع برامج عملية لمعالجة الاختلالات. كما كان من الممكن إحداث برامج تربوية مستمرة داخل المؤسسات التعليمية، تتجاوز الزيارات الظرفية للمعارض إلى ترسيخ ثقافة المحافظة على البيئة لدى الأجيال الصاعدة.
فما الجدوى من تنظيم منتدى سنوي حول البحر، إذا كانت الإشكالات البيئية نفسها تتكرر، وإذا كانت الشواطئ لا تزال تنتظر حلولا جذرية لمظاهر التلوث؟ وما قيمة التوصيات التي تصدر عن الندوات إذا لم تتحول إلى التزامات محددة، بآجال زمنية واضحة، وجهات مسؤولة عن تنفيذها، وآليات لتقييم نتائجها؟
إن مدينة الجديدة، بما تتوفر عليه من مؤهلات بحرية وسياحية واقتصادية، تستحق أكثر من مجرد تظاهرات موسمية تنتهي بانتهاء برنامجها. فهي في حاجة إلى رؤية تنموية متكاملة تجعل من حماية البحر أولوية دائمة، وليس موضوعا مناسباتيا يستحضر خلال أيام المنتدى ثم يغيب إلى حين انعقاد دورة جديدة. كما أن حماية البيئة البحرية ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين السلطات المحلية والجماعات الترابية والمؤسسات المعنية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنين.
ومن هذا المنطلق، فإن المطالبة بفتح تحقيق في أهداف المنتدى وحصيلته ليست استهدافا لأي جهة أو تشكيكا مسبقا في نوايا المنظمين، وإنما هي دعوة مشروعة إلى تقييم موضوعي لتظاهرة تستفيد من الدعم العمومي، وتقام في مدينة تواجه تحديات بيئية وتنموية حقيقية. ويقتضي ذلك نشر التقارير المالية والأدبية للدورات السابقة، وتوضيح مصادر التمويل وأوجه صرفه، والكشف عن النتائج المحققة، ومدى احترام الالتزامات التي قدمت للرأي العام، مع الوقوف على ظروف استغلال الفضاءات العمومية، ومدى ملاءمتها لشروط السلامة والنظافة.
كما أن من الضروري إخضاع البرامج المعلنة لتقييم مستقل، بمشاركة خبراء في البيئة البحرية وممثلين عن المجتمع المدني المحلي، حتى لا يبقى النجاح مقاسا بعدد الندوات أو الصور المنشورة أو الشخصيات التي حضرت، بل بمدى التحسن الفعلي في جودة البيئة البحرية، ومدى مساهمة المنتدى في حل المشكلات التي يعاني منها الشاطئ والمدينة.
إن الجديدة لا تحتاج إلى مزيد من التظاهرات التي تستهلك الوقت والموارد دون حصيلة واضحة، بقدر ما تحتاج إلى مبادرات مسؤولة تجعل البحر في صلب التنمية المحلية، وتمنح الأولوية للمشاريع التي يستفيد منها المواطن بشكل مباشر. فالمنتدى الذي يحمل اسم البحر ينبغي أن يكون مدافعا حقيقيا عن البحر، لا مجرد مناسبة للاحتفاء به في القاعات والمعارض.
لقد بلغت التظاهرة دورتها التاسعة، وهي مدة كافية لطرح سؤال الحصيلة والمساءلة. وإذا كانت هناك إنجازات حقيقية، فمن حق المنظمين أن يعرضوها بالأرقام والوثائق والنتائج الميدانية، وإذا كانت هناك اختلالات، فمن واجب الجهات المعنية الوقوف عليها وتصحيحها، حفاظا على المال العام وصونا لمصداقية العمل الثقافي والبيئي.
فالبحر لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه بقدر ما يحتاج إلى من يحميه، والجديدة لا تحتاج إلى منتدى آخر يضاف إلى قائمة التظاهرات، بل إلى نتائج حقيقية تنعكس على شواطئها وبيئتها ومستقبل أبنائها. أما أن تتوالى الدورات وتتعاظم النفقات، بينما تستمر مظاهر التدهور البيئي، فذلك ما يجعل فتح نقاش عمومي جاد حول جدوى هذا المنتدى أمرا ملحا، ويجعل مساءلة الجهات الداعمة والمنظمة مسؤولية لا يمكن التهرب منها.
