وليد بن اقتيلة.. ليوناردو دافنشي بملامح دكالية يعيد للواقعية التشكيلية بريقها
المصطفى بنوقاص
ليس كل لقاء فني يحتاج إلى موعد مسبق، فبعض اللقاءات تأتي صدفة، لكنها تترك في النفس انطباعا يستحق الوقوف عنده. وهذا ما حدث خلال المعرض الجماعي للفن التشكيلي، المنظم في إطار مهرجان اليقطين، حين تعرفت لأول مرة على الفنان الشاب وليد بن اقتيلة، الذي لفت انتباهي من خلال لوحة متميزة استطاعت أن تجمع بين موضوع المهرجان والهوية المحلية لمنطقة دكالة، وخاصة مدينة الجديدة.
من النظرة الأولى، بدا واضحا أن الأمر لا يتعلق بمجرد عمل تشكيلي يستحضر تيمة المهرجان، بل بلوحة تحمل رؤية فنية تتجاوز حدود الموضوع المباشر، لتلامس الذاكرة والمجال والانتماء. فقد نجح وليد في المزج بين اللون والشكل، وبين التشخيص الواقعي والتعبير عن الهوية، مقدما عملا فنيا يستحضر خصوصية دكالة ويمنحها حضورا بصريا لافتا.
ما شد انتباهي أكثر هو المستوى الذي بلغه الفنان في تشخيص التفاصيل وتجسيد الواقع بدقة عالية، إلى درجة تجعل المتلقي يتوقف أمام اللوحة ليتأمل حدود التقارب بين الرسم والصورة الفوتوغرافية. فهذه القدرة على نقل التفاصيل، وضبط النسب، والتحكم في التدرجات اللونية والضوء والظل، ليست مجرد مهارة تقنية، بل هي مؤشر على حس بصري متقدم، وعلى علاقة خاصة تربط الفنان بموضوعه وأدواته.
ولعل ما يدعو إلى التفاؤل هو أن وليد بن اقتيلة يذكرنا بإمكانية عودة المدرسة الواقعية إلى واجهة المشهد التشكيلي، بروح جديدة وأدوات معاصرة. وحين أتحدث عن عودة ليوناردو دافنشي بملامح دكالية، فإنني أستعملها كاستعارة فنية للتعبير عن الإعجاب بقدرات شابة تمتلك شغفا بالتفاصيل ودقة في التشخيص، وليس باعتبارها مقارنة نهائية مع تجربة فنية عالمية صنعت تاريخها عبر قرون.
وقد أتاح لي وليد فرصة الاطلاع على مجموعة من أعماله الموثقة بهاتفه، فكانت المفاجأة أن اللوحة التي لفتت انتباهي لم تكن عملا معزولا، بل جزءا من تجربة تتشكل ملامحها عبر مجموعة من المحاولات والإبداعات التي تكشف عن تطور في الرؤية والتمكن من أدوات التعبير التشكيلي.
والأجمل من ذلك أنني لمست لديه تواضعا فنيا يستحق التنويه. فقد بدا وكأنه يطرح، من خلال أعماله، سؤالا صامتا: هل يمكن أن أصبح فنانا في المستقبل؟ والحقيقة أن هذا السؤال في حد ذاته يعكس وعيا بأهمية الطريق الذي اختار أن يسلكه؛ فالفن التشكيلي بحر عميق، لا يكفي لدخوله امتلاك الموهبة وحدها، بل يحتاج إلى الصبر والتكوين والممارسة المستمرة والثقة بالنفس، إلى جانب الاستعداد الدائم لتقبل النقد والاستفادة منه.
إن الفنان الحقيقي لا يتوقف عند حدود ما أنجزه، بل يظل في حالة بحث واكتشاف وتجريب. ومن هنا، فإن تواضع وليد لا ينتقص من قيمة أعماله، بل يمنح تجربته بعدا إيجابيا، لأنه يدرك أن الاحتراف ليس محطة يصل إليها الفنان ثم يتوقف، وإنما مسار طويل من التعلم والتطوير وصقل الأدوات.
إن الواقعية التشكيلية ليست مجرد نقل آلي لما تراه العين، بل هي قدرة على إعادة بناء الواقع فوق مساحة اللوحة، ومنح الأشياء روحا وحضورا، من خلال التكوين واللون والمنظور والضوء والظل. وهذه العناصر هي التي تمنح العمل الفني قوته، وتجعل المتلقي يشعر بأنه أمام مشهد ينبض بالحياة، لا أمام مجرد ألوان موزعة على سطح أبيض.
ومن خلال ما اطلعت عليه من أعمال وليد بن اقتيلة، يبدو أن لديه مؤهلات واعدة لمواصلة هذا المسار، خاصة إذا واصل تطوير تجربته، وانفتح على مدارس تشكيلية مختلفة، وحرص على المشاركة في المعارض والملتقيات الفنية، لأن الاحتكاك بالتجارب الأخرى يشكل إحدى أهم وسائل النضج الفني.
إن ظهور أسماء شابة تحمل هذا الشغف يؤكد أن الفن التشكيلي المغربي ما زال قادرا على تجديد دمائه، وأن المواهب لا تزال تتشكل بعيدا عن الأضواء، في انتظار الفرصة التي تمنحها حقها في الظهور والتعريف بإبداعاتها.
وليد بن اقتيلة اسم يستحق المتابعة والتشجيع، وتجربة فنية تبدو واعدة في أفق المشهد التشكيلي الدكالي. وربما تكون هذه المشاركة في معرض مهرجان اليقطين مجرد بداية لمسار إبداعي أطول، يحمل في تفاصيله ملامح فنان يؤمن بأن اللوحة ليست مجرد شكل ولون، بل لغة تعبير عن المكان والإنسان والذاكرة والانتماء.
فمرحبا بوليد في رحاب الفن التشكيلي، وكل التوفيق له في رحلته الإبداعية، على أمل أن نلتقي مجددا أمام أعمال جديدة تؤكد أن الموهبة حين تجد الشغف والمثابرة، تستطيع أن ترسم لنفسها طريقا نحو التألق.



